التربح في غير وجه حق
«كلهم أبنائي» … (All my sons ) اسم لمسرحية كتبها الروائي الأمريكي آرثر ميللر ، تدور أحداثها أثناء الحرب العالمية الثانية ، تحكي قصة المواطن ” جو كيلر ” الذي انتشى الحلم الأمريكي في الثراء وقتلته الحيرة الضائعة بين الحق والباطل بين الخير والشر ، بين أن يعمل في مهنة شريفة يتعب ويكد منها وتجلب له الكسب الحلال ، أو أن يغتني بسرعة ويعقد صفقة مع الشيطان تجعله يرقص على جثث الضحايا من الأبرياء ، بين أن تظل أسرته على وضعها المادي أو يورث ابنه كريس أعماله التجارية الواسعة ..
وللأسف فقد انتهى به هذا الصراع الداخلي إلى أن ينتصر إلى لعنة الطمع وسطوة التكسب السريع من خلال متاجرته بأسلحة فاسدة ومعدات تالفة باعها للجيش الأمريكي ، وأودت بحياة 21 طياراً ، كان من بينهم ابنه الأكبر لاري ..هذه المسرحية تعكس حالة التاجر الجشع الذي يلهث وراء المال بطرق غير شرعية ، كما أنها تسلط الضوء على فساد الأخلاق الذي يوقع الإنسان في فخ أعماله فيصيبه في مقتل ويثنيه عن تحقيق حلمه وبلوغ طموحه .
هناك بعض ضعاف النفوس من العاملين في القطاع الحكومي والخاص من يتعامل مع الناس بمواصفات التاجر وبمقاييس الريح والخسارة ويستغل وظيفته من أجل المزيد من الثراء ، عن طريق رشوة يتقاضاها من هنا وهناك ، مقابل منح الإذن بتمرير مخالفة قانونية أو حكم جنائي أو إفشاء سر من أسرار دولته ، أو غض الطرف عن تهريب الأسلحة ودخول المخدرات وغيرها من الممنوعات التي تدمر كيان المجتمع ..وهناك أيضاً في أوقات الأزمات ونشوب الحروب حيث تقلّ السلع الغذائية والمواد الاستهلاكية ، تطفو على السطح فئة المتسلقين على أكتاف المحتاجين لتخطف لقمة الجائعين تدعى بتجار الأزمة ، هذه الفئة من الطفيليات نراها تتاجر بكل شيء متاح ، فتستغل حاجة الناس وتختزن المواد الأولية لترفع سعرها عند الطلب ، فتخلق مشاكل اقتصادية تزيد من معاناة المواطنين .
كما يتجلى الفساد أيضاً في بعض المراكز الطبية والمستشفيات الأهلية التي ترهق المرضى بكمية الفحوصات والتحاليل والصور الشعاعية التي لا طائل لها بهدف التربح والمزيد من المال ، أما في المجال العقاري فنرى بعض المقاولين يتلاعبون في أسعار تكلفة المشاريع وجودة الخرسانة وكميات الحديد المطلوبة ،من أجل تعظيم أرباحهم ، الأمر الذي يقلل من العمر الافتراضي للمنشأة العمرانية ويهدر الأموال على الصيانة والترميم ، وفي أسوأ الأحوال تنهار تلك المنشأة فوق رؤوس ساكنيها ، ونصل حينها إلى كآبة المنظر وسوء المنقلب .
هذا التكسب اللاشرعي ، هو آفة الآفات وهو الطامة الكبرى والذنب الذي لا يغتفر ويجوز وصفه بالخيانة العظمى ، فمن أجله يبيع الإنسان وطنه ويضحي بأمن بلاده ، ويعيق تقدم مجتمعه ويدوس على طموحات الشباب فيه وخاصة أصحاب الشهادات العليا والكفاءات العلمية المتميزة الذين باتوا يعانون البطالة والتهميش ، لأن الوظيفة التي يأملون في شغلها صارت حكراً لأقارب المسؤولين أو لمن يدفع أكثر ويقدم هدايا أثمن ، بغض النظر عن شرط القدرات والمهارات ومعايير مقتضيات العمل . هذا الفساد في الأرض وذاك الاضرار بمصالح الناس ، لا يحل إلا بنشر ثقافة أخلاقيات المهنة ، وتعريف العاملين بمنظومة الحقوق والواجبات ، وكذلك من خلال سن قوانين صارمة تحاسب الفاسد وتعاقب المرتشي وتكف يد المتنفذين والمتكسبين في غير وجه حق.
Twitter:@bahirahalabi
التصنيف:
