مدينة بلا متسولين

هناك فئة من الناس تميل إلى الأخذ ولا تحب العطاء ، تريد التكسب ولا ترغب بالعمل ، تبحث عن الترزق ليس من كد يمينها وعرق جبينها ،بل بافتراش الأرصفة والتحاف السماء وارتداء الملابس الرثة على جسد قد تحول بالكامل إلى كتلة من التشوهات والعاهات لزوم مهنة التسول واستدرار عطف العابرين وشفقة الجمعيات الخيرية وهيئات الشؤون الاجتماعية ..
التسوّل هو من الظواهر السلبية التي ابتليت بها المجتمعات البشرية كافة، وقد تنوّعت صورها من مجتمع لآخر، فهناك من يقف في الشوارع المزدحمة بالناس، أو أمام دور العبادة ، والبعض يحمل آلة موسيقية ويعزف عليها، وآخر يمثل مشاهد كوميدية في الساحات العامة ويجلب الضحك للآخرين ، وهناك من يوظف الفلكلور الشعبي ليجذب العدد الأكبر من السائحين كما في تاج محل وميناء مومباي بالهند ، وهناك من يقدم عروضاً لفرق عالمية ومشهورة مثل رقصات مادونا والليدي جاجا وبيونسيه وموسيقا الراب في ميدان البيكاديلي بلندن ، وهناك من يلبس الزي الغجري ويبيع الزهور ويقدم لوحات الباليه مع أنغام الموسيقى في ساحة برج ايفل بباريس ، وهناك من يرتدي ملابس الشخصيات التاريخية المشهورة مثل روميو وجوليت وكليوباترا أو يرسم لوحات ويلتقط صورا فوتوغرافية كما في في روما بايطاليا.
وقد يكون الدافع الوحيد للتسول في عالمنا العربي هو الحصول على المال واكتنازه ، بعيدا عن امتاع الآخرين والترفيه عنهم ،ولعل من أهم أسباب زيادة انتشاره في وقتنا الراهن هو حالة الاضطراب الاجتماعي التي نعيشها والحروب التي نكابدها حيث كثرعدد المشردين والعاطلين عن العمل ، وارتفعت نسبة المتسولين وخاصة لدى فئة الشباب ممن لم يتعلم مهنة أو يمارس حرفة تقيه من نوائب الدهر وعاديات الزمان ، كما أن من أسباب التسول هو التربية الخاطئة في مرحلة الطفولة، حيث يتعلم الطفل على طلب الحاجة والتذلل للآخر ، ومع الوقت يزداد طمعاً وجشعاً ، ويستسهل الحصول على المادة دون جهد أو تعب ، وهناك أيضاً من يتسول لنقص في عقله أو عجز في جسده أو ابتلاء بتعاطي المخدرات ، وهناك من ينتسبون إلى أسر فقدت معيلها ولم تجد من يسد حاجتها نتيجة لقلة التراحم والتكافل في المجتمع الواحد، فخسرت الدعم المالي ولم تلق الإشراف والتوجيه الصحيح الذي يربّيهما على عزّة النفس والكرامة..
وما يشجع على تفاقم هذه الظاهرة هو تعاطف المجتمع مع حالة المتسولين، وإعطائهم الصدقات وهم غير مستحقين لها ، فهناك عصابات تشرف وتدير هؤلاء المتسولين من نساء وأطفال وهناك مدارس تحدث عنها الأديب العالمي نجيب محفوظ في روايته زقاق المدق وشرح كيف يخضع المتسول إلى عمليات تغيير في ملامحه ومظهره العام لكي يبدو عاجزاً أو من ذوي الاحتياجات الخاصة والعاهات المستديمة ، فيلفت إليه نظر الناس ويستدر عطف الميسورين ، وكم من المتسولين من اكتشف الناس حقيقتهم وافتضح كذب ما يدعون وكثير منهم يمتلك المال الوفير ولديه عقارات وأراضي لكنه يلجأ إلى الخداع والتمثيل وتزويرصكوك النفقة والإعالة ، وفي المقابل كم هناك من المحتاجين حقاً ولم يمدوا أياديهم طلباً للعون بل اعتمدوا على شرف المهنة التي يتكسبون من خلالها ولو بعائد مادي قليل ، فتحسبهم أغنياء من التعفف..
وحيث ان ظاهرة التسول عادة ذميمة ولها آثاراً اقتصادية وأمنية تهدد السلم الاجتماعي ومنها انتشار النصب والاحتيال والسرقات وتعاطي المحظورات ، نأمل من أبناء المجتمع عدم التعاطف مع هؤلاء المتسولين ونرجو من الجهات المختصة مكافحتهم وسن القوانين الرادعة التي تحد من انتشارهم ، وقد يكون من الأجدر أن تؤخذ بصمات كل من تسول له نفسه ويتجرأ على تشويه منظر بلده وإعاقة حركة التنمية فيه والتقدم والتطور الذي يطمح إليه.
Twitter:@bahirahalabi
التصنيف: