ندعو الله أن تكون هجرتهم مؤقتة
في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المواطن العربي نتيجة الحروب والاضطراب الأمني والتأزم الاقتصادي الخانق ، نرى أن ظاهرة الهجرة من الأوطان تتفاقم يوماً بعد يوم .. والبلاد تتفرغ من ثرواتها البشرية وكوادرها الوطنية ،
فقد دفعت تلك الحالة الكارثية بشباب الأمة للجوء إلى بلدان أكثر استقراراً وأقل خطراً ، وصل بعضهم بلد الاغتراب بتأشيرات نظامية ، والغالبية سلكت الطرق غير الشرعية .. ومنهم من خرج قسراً يطلب الأمن والأمان ،
ومنهم من همّ بالرحيل ليغتنم فرصة التعليم والدراسة وتلاقح الثقافات ، ومنهم من لازمته عقدة النقص من هويته الأصلية وحلم بالحصول على الإقامة والجنسية الأجنبية ، ومنهم من كان يتفاخر بالمجتمعات الأكثر تحضراً والأكثر انفتاحاً ويتوق للاندماج فيها. بعيداً عن سلطة الأهل وتحرراً من قيود العادات وتقاليد المجتمع…
ولو استعرضنا حركات النزوح والتشرد التي ابتلي بها مجتمعنا العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى يومنا هذا ، نستطيع التأريخ لهجرات مماثلة ، ففي عهد الاحتلال العثماني؛ حيث تردت الأحوال الاقتصادية وانتشرت المجاعات ونقص الغذاء بشكل حاد ، وحيث ازداد العنف وعمليات الاعتقال والتعسف للثوار وقيادي الحركات التحررية من ربقة الاستعمار التركي ،
رحلت معظم الكفاءات والنخب الأدبية من بلاد الشام ( سورية ، لبنان ، فلسطين ) إلى الأمريكيتين الشمالية واللاتينية واستقرت فيها ، كما شهدت فلسطين السليبة وبعد نكبة 1948م واحتلالها من قبل العدوان الصهيوني ، أكبر حركة نزوح وتشريد لشعبها في أصقاع الأرض الواسعة .
هذه الهجرات الجماعية للعقول والأدمغة وللقوى العاملة ستربك المجتمع ، وتخل بالتركيبة الديموغرافية للسكان ، وتمزق النسيج الأسري ، وستؤثر سلباً على كافة مناحي الحياة ، وستخسر البلاد المعلمين في المدارس الذين يبنون الأجيال ، وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات الذين يقع على كاهلهم مسؤولية التدريس والبحث وخدمة المجتمع ..ولكن في الجانب الآخر ،
قد تعكس تلك الهجرات حالة من الإيجابية، خاصة حين تضع الحرب أوزارها ويعود المهاجر إلى وطنه الأم وقد تحسنت أحواله الاجتماعية، وتسلح بالعلم والمعرفة، واكتسب الخبرات والمهارات الكافية ليساهم في نهضة بلاده وانعاشه وتحسين وضعه الاقتصادي .
وما نرجوه من الله أن تكون هجرتهم مؤقتة ، وأن لا يطول غيابهم ، فالوطن في انتظار عودتهم المحمودة ، فالوطن غال وعزيز ، ولا يوجد مكان في الدنيا أجمل وأبهى من المكان الذي ترعرع به الإنسان وتفيأ بظلاله وارتوى من فرات مائه، وعاش بحب وشوق كبير للقاء ترابه الطاهر ، وتقبيل أرضه الطيبة .. وكم من
مغترب يردد بلوعةٍ بيتَ الطائي:
كمْ منزلٍ في الأرضِ يَأْلفهُ الفتَى … وحنينهُ أبداً لأوّلِ مَنزلِ
وكم من مهاجرٍ يتغنى صباحَ مساء:
بلاديْ وإنْ جارَتْ عليَّ عزيزةٌ … وأهلِي وإنْ ضنُّوا عليَّ كِرامُ
التصنيف:
