(الأمانة هي الصح وهي الصحيح)

لعل أجمل قصة تجسد أهمية ان يكون الإنسان أميناً في تصرفاته صادقاً في أقواله ، حكيماً في أفعاله ، هي رواية بائعة الحليب في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، تلك السيدة التي أمرت ابنتها أن تضيف الماء إلى الحليب فيكبر حجمه ويزداد مكسبها ،،وحينها رفضت الابنة المثول لرغبة والدتها في الغش وأن أمير المؤمنين قد نهى عن ذلك ؟ فقالت لها الأم إن الخليفة لا يرانا فردت الفتاة: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فإن ربّ أمير المؤمنين يرانا. وقد صادف في هذه الأثناء أن الخليفة عمر كان في جولته الليلية يتفقد فيها أحوال الرعية، فسمع الحوار بين الفتاة وأمها وأعجب بأمانة تلك الفتاة ، وأحب أن يزوّجها لابنه عاصم ، الذي أنجبت منه ( ليلى ) التي تزوجت من عبد العزيز بن مروان بن الحكم وأصبحت أماً لخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز الذي حمل صفات وأخلاق جده عمر بن الخطاب، في الحزم والعدل والعلم الغزير ” .
لقد كثر في هذا الزمان الغش والتدليس وقلّ فيه الارشاد والتوجيه ، فصار فيه التحايل والخداع نوعا من الفهلوة وحسن الفعال . وكما قال الأديب نجيب محفوظ واصفاً أخلاق المجتمع المتردية في قصة زقاق المدق : ” إن أردت أن تعيش فعليك بالكذب والنفاق ولا تنسى نصيبك من الجهل والغباوة “، وإن الحياة العصرية بما حملته إلينا من مغريات دنيوية وما عززته من قيم استهلاكية ترفع من قيمة الغني وتحتقر البائس الفقير ، قد شجعت بعض ضعاف النفوس في اللهث وراء الكسب السريع بأساليب ملتوية وبطرق غير شرعية ، فطفت على السطح فئة من الفاسدين استفادوا من مواقعهم كمسؤولين وكآمري صرف ليجيروا ما اؤتمنوا عليه من المال العام إلى حسابهم الخاص ، فبدت عليهم مظاهر الثراء ليس من تعب وكد وعرق جبين لكن من سمسرة ورشاوى واستغلال نفوذ ، الأمر الذي سبب قرحاً في المجتمع ، مسّ مصالح المواطنين وباين في الفروقات والتمايز الطبقي وأعاق الخطط والبرامج التنموية للدولة.
الأمانة شيء عظيم ….قال الله تعالى : ” والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ” .. الأمانة هي أداء الحقوق ، وهي خلق جليل ولها أوجه ومناحي عديدة ويندرج تحت مفهومها : أن نؤدي الفرائض التي أمرنا الله بها كما ينبغي ، وأن نحفظ الجوارح التي تعمل والقلوب التي تتوكل . فنحن نحرث الأرض بأيدينا ونعمل على ترويتها، وبعد ذلك نتوكل على الله ونأمل في محصول وفير .والأمانة أيضاً في حفظ الودائع وأدائها لأصحابها يقول الرسول الكريم في ذلك : ” أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ” .. والأمانة في اتقان العمل وتأديته بجودة عالية ، ..والأمانة في البيع والشراء ، والأمانة في حكم العباد وتسيير دفة البلاد وحمل مسؤولية الرعية وقيادتهم نحو الأفضل ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ” ، الأمانة في حفظ الأسرار وفي سرد الأخبار ونقل المعرفة ،وتبقى الأمانة بهذا المعنى وهذا التأثير الكبير هي التي تنظم شؤون الحياة: من عقيدة وعبادة ومعاملة وتكافل اجتماعي وسياسة حكيمة ورشيدة. وهي سر سعادة الأمم وتقدمها .
يقول المولى عز وجل : “إن خير من استأجرت القوي الأمين ”

Twitter:@bahirahalabi

التصنيف:

2 Responses

  1. كلام جداً رائع من كاتبه مميزه تمنياتنا لكي دوام التوفيق والسداد ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *