العبث المرئي.. والمكتوب
لأن محدودية الثقافة وقلة المثقفين وسلسلة المحرمات السياسية والدينية والاجتماعية أيضاً. كانت تشكل مجموعة من العوامل التي أغفلت تاريخ مدننا بكل مسافات الأماكن في تضاريس وطن بحجم المملكة العربية السعودية. وبكل تحولاته وثقافته في التركيبات الاجتماعية المختلفة في نمط حياتها وممارسة طقوس منها ما تغير ومنها ما بقي. على أنني هنا لا استطيع تجاوز واحدة من المؤشرات بل المعوقات في كتابة النص بكل شفافية ومهنية متمكنة. وهي الجوانب القبلية التي كانت ومازالت تتعامل بكثير من الحساسية والمزايدات على وقائع وأحداث.. وسلوكيات من منطلقات الانتماءات لموروث كل يرى أنه الرقم الأول في تفاصيل الرواية ومحاور الحديث!!
هكذا كان ومازال التاريخ في توثيقه يخضع لكثير من التناقضات. على أن البعض من أولئك الرحالة الذين قدموا أعمالاً في هذا الجانب في مضمونها العربي والإسلامي لم يكونوا في أماكن الشفافية وأمانة النقل بعيداً عن المجاملات والتسويف في كثير منها.. بل كانت أعمال أولئك البعض بمثابة “استرزاق” يتم اكتسابه من الذين يدفعون لهم المال.. أما من لا يدفع من الولاة في رحلات الخارطة العربية والإسلامية فإنه يمكن أن يتم المسح بتاريخهم البلاط!!.
تناقضات وروايات أكل عليها الزمن وشرب.. ومات أبطالها وجيوشها ومعهم اختفت قصص التاريخ في زفة الموت.. وبقيت طبول تقرع إيقاعات لا تدرك ألحان تراث كتبه شاهد كان وما زال آخر من يعلم!!.
هكذا برزت (حارة الشيخ) التي تذاع من (أم بي سي) خلال شهر رمضان وهي تعكس صورة حياة أهل الحجاز في حقبة زمنية يختلف حتى الذين قاموا بإعدادها وأدوارها متى كانت.. وكيف كانت تركيباتها ومؤشراتها. تماماً مثل ما لا يعرفون أنه لم يكن في جدة أصلاً شيء اسمه (حارة الشيخ) ولا يمكن مقارنة ذلك العمل بما يعرف بباب الحارة السوري الذي كان يمثل واقع الحياة السورية في مرحلة كانت فيها الكثير من العوامل والممارسات السلبية.. لكنهم لم يتطرقوا إلى تلك السلبيات. وذلك حرصاً على تقديم الجانب المشرق في حياة المجتمع السوري عبر مراحل تاريخية.. وهو ما لم يحصل في حارة الشيخ “باجبع” كاتب النص!!.
وكان عملاً استفزازياً للرموز من أهالي مدينة جدة التاريخية الذين اعربوا عن احتجاجهم ورفضهم لهذا التشويه التاريخي لمدينة كانت وماتزال أكثر بعداً عن تلك الإسقاطات وأبعادها في قصر رؤية المنهج وانعكاساته على المتلقي.
لكني هنا لا أتوقف عند جدة وحدها.. بقدر ما أشير إلى أن ذلك هو امتداد للعبث الذي تتم ممارسته في السنوات الأخيرة لتاريخ المدن السعودية ومحافظاتها. وذلك من قبل بعض المتطفلين الذين يقتحمون ميادين التاريخ المعاصر من أجل الكسب المادي. أو الحضور في المشهد. وتصنيفهم باسماء متعددة لا علاقة لهم بمضامين الهوية. ولا المعرفة. وهو ما فتح باب تشويه التاريخ والمزايدة واعتساف الحقائق في مناطق خاصة الجنوبية من المملكة بعد انفلات العقد في السنوات الأخيرة وتزاحم عدد من الباحثين عن الأضواء في عتمة الحقائق المفقودة للأسف من التاريخ المعاصر.. إلاَّ عند القليل من المصادر في منظومتها البحثية في عراقتها ومعايشتها للتحولات إضافة إلى ثقافتها في تعزيز المعلومة.
وبالتالي فإننا اليوم أمام أشكالية كتابة التاريخ خاصة في تفاصيل ما قبل الوحدة. وذلك بعد أن أصبح هناك حرية في الطرح والشفافية.. ولكنها حرية لابد أن تكون أمينة وصادقة تخاطب الأجيال القادمة.. وليس الاعتساف والتشويه الذي يضر ولا ينفع.. ولا ينطلق من ثوابت وحقائق زمنية بل يخضع للأسف في بعض جوانبه إلى خيال هو الأقرب إلى الصورة الشعرية.. وصولاً إلى الحصول على متطلبات الدراما في العمل المرئي.. وتسويق النص في العمل المكتوب.. وكلاهما عبث يجب منعه من الممارسة والتداول.
التصنيف:
