الجفري وشيء من التفاصيل

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]ناصر الشهري[/COLOR][/ALIGN]

كلما كانت قيثارة الشرق فيروز تغني .. بصوتها الدافئ الذي يتسلل إلى الوجدان بكل ألوان الطيف .. كان عبدالله الجفري أكثر تأثيراً وأكثر إبداعاً ليشكل صدى ذلك الصوت الشرقي الساحر لوحة رومانسية تنهمر من الحبر الأخضر الذي كان يكتب به الراحل .. \” ويترحْبنَ \” على طريقته ويطوِّع المقال للكوبليه الموسيقي بأسلوب متميز .. وحين كانت غادة السمان تركض حافية القدمين خلف العبارة الرومانسية في \” عيناك قدري \” ويا من \” كنت حبيبي \” كان عبدالله الجفري يشكل ارتداداً قوياً عندما يقف تحت \” ظلال \” شجرة الإبداع ويكتب حتى يشتد الهجير قبل أن يعلن تلويحة الوداع .
الجفري الذي وضع أمامه في المقارنة الكثير من عمالقة المبدعين العرب في الزمن الجميل مثل أمل دنقل ونازك الملائكة ونجوى طوقان وجبران خليل جبران وعائشة أبو النور وغيرهم من عمالقة الكلمة شعراً ونثراً وصياغة للعبارة الجميلة .. ليقفز من المحلية إلى التحليق في أجواء الوطن العربي سفيراً للإبداع ورقماً هاماً بين كل هؤلاء .
عرفت الفقيد منذ أكثر من ٣٧ عاماً وعملت معه في صحيفة عكاظ .. ثم عملت معه في صحيفة الشرق الأوسط وكنا في غرفة واحدة حيث وضع لي طاولة أنا والأستاذ نزار الهندي ابن رائد الإذاعة الراحل سعيد الهندي، حيث كنا الاثنان نستخدم الطاولة المستطيلة كما كنا نسميها .. ولكننا نستمتع بتحريض الجفري لنا وأفكاره الصحفية المتميزة .
كان يرحمه الله يكلفني بتنفيذ أفكار يضعها في خطة عمل ويقوم بتحديد مواعيد مع مسؤولين . حتى أنه فاجأني ذات مساء بأن ياسر عرفات سيصل إلى المملكة في اليوم الثاني وأن عليّ أن أقابله مساء اليوم نفسه في مقر إقامته عند الساعة التاسعة . وقال : لقد \” رتبت \” لك كل شيء وما عليك إلاَّ أن تقوم بإعداد أسئلتك وتذهب في نفس الموعد مع المصور، وأردف قائلاً : لا تقل لأحد من الصحفيين عن هذه الزيارة أو المقابلة كي تحقق انفراداً صحفياً . وكان له ما أراد . وكانت أفكاره المتميزة إعداداً وإخراجاً انعكاساً طبيعياً لإحساسه الفني الرائع . وكانت ابتسامات الفرح التي تعكسها مشاعره لنجاح أي عمل هي بمثابة الوقود الذي يدفعنا لمرحلة أخرى في يوم آخر وفي مكان آخر . وبالمقابل كانت تقاسيم الغضب الذي يعلو حاجبيه كفيلة بأن تهز أعماقنا لتغيير الصورة عندما يكون عملاً ناقصاً ولكنه في الوقت نفسه يحمل قلباً طيباً ومرهفاً لم أشهد قبله أو بعده مثيلاً .. وبالتالي فإن أديبنا الكبير كان واحداً من أهم رواد الصحافة في المملكة وهو من العناصر الفاعلة في دراسة فكرة إنشاء صحيفة يومية من عسير . وأذكر أنه قد سلمني مظروفاً كبيراً وأنا في عكاظ يتضمن ماكيتات صحيفة عسير .. وطلب مني تسليمه إلى الأمير خالد الفيصل . وذهبت إلى سمو الأمير وسلمت له الرسالة في مزرعة \” المنسك \” ما بين أبها
وخميس مشيط .
وكان الجفري سيكون أحد قادة الصحيفة هو والأستاذ علوي الصافي لولا أن المشروع تعثر آنذاك بسبب الترخيص الذي حدد الإصدار مرة واحدة في الأسبوع .. وهو ما رفضه الأمير خالد الفيصل وقال : إنه لابد أن تكون جريدة يومية وإن طال الانتظار .
اليوم ربما أكون قد بدأت الكلام عن العملاق الراحل بمدخل مختلف في الجزءين الأول والثاني من الحديث عنه هنا .
لكنه عبدالله الجفري يضع من يكتب عنه في إشكالية النص، خاصة لمن عرفه عن قرب، ذلك لأنه في حد ذاته مجموعة من المحاور على المستوى الثقافي والصحفي والإنساني وكلها تحتاج إلى منهجية وفصول متعددة ستبقى في ذاكرة التاريخ لواحد من أبرز المبدعين العرب يرحمه الله .
فقط ما أرجوه من أخي عادل فقيه أمين مدينة جدة أن يطلق اسم الراحل على أحد شوارعها الهامة ومن أخي الدكتور عبدالمحسن القحطاني رئيس النادي الأدبي أن يطلق اسم الجفري أيضاً على قاعة النادي الأدبي بجدة فلعل ذلك أبسط ما يمكن أن يكون تكريماً لأديب ترك فراغاً في صناعة الكلمة

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *