من أنت ؟!
تعلمت من مخالطة البشر في رحلة الحياة أن من يرى نفسه مشبع بالفضائل ومنزه عن الزلات وفوق قانون هفوات البشر لا يرى غيره سوى ماكينة لإنتاج الرذائل ، إذ يكتفي بكونه الأصل وغيره صورة مزيفة تسمى ” شخص آخر” ، والآخر بالنسبة له شر محض وكفى ، إن ذكرت له جنسية من جنسيات الدول يأخذك في مدارات من الأوصاف التحقيرية لهذه الجنسية للحد الذي عنده تضطر للطلب منه التوقف ، وإن ذكرت له أي منطقة من مناطق المملكة غير منطقته لمعرفة إن كانت عقدته النفسية مع الجنسيات الأخرى فقط أم أن لها أذناب ورؤوس وأقدام فسيسرد لك من عيوب تلك المنطقة ما يجعلك تتصور أن من سألته عنها بلدة من بلدات أبليس وليست جزءا من وطنه يدينون أهلها لله بما يدين ويتكلمون مثله بذات اللسان ، في الغالب هذه النوعية من الناس مهما بينت لها وناقشت معها فلن تفهم ما تقول سوى أنها فلسفة كتاب وهرطقة مثقفين وسفسطة رويبضة لا ينبغي الإنصات لها والإذعان لمدلولاتها ، فضلا عن البحث والحوار من خلالها ، والعجب أن فيهم من يحمل الدكتوراه والطب وفيهم المؤتمن على أفئدة وأذهان النشء .
ربما أنك متيقن من سمو ذاتك ، ولديك قناعة كاملة بأن الناس كلهم لو كانوا في مثل صفاتك لسادت الدنيا قيم الخير والنبل والمثالية ، لكن واسمح لي وأنت في غمرة قناعاتك الذاتية عن نفسك أن أسألك هذا السؤال ؛ هل يراودك أحياناً شعور بأنك ربما في عيون الناس أبشع مما تظن ؟ هل تساءلت بينك وبين نفسك وقلت ربما أني ظالم مستبد ؟ هل تصورت يوماً أنك ذلك الشخص البغيض الذي تكرهه أنت !! بحيث لو خرجت من جلباب شخصك وأصبحت شخصاً آخر لتبرأت من نفسك على الفور ؟ لا تستعجل في الإجابة عن هذه الأسئلة .. فليست مهمة كل الإجابات مهما توخيت فيها من الدقة ، لأن المهم هو أن تكون هذه الأسئلة حاضرة دوماً ، ” فأشد الناس حماقة – كما يقول الشيخ أبو حامد الغزالي – أقواهم أعتقاداً في فضل نفسه ، وأثبتهم عقلاً أشدهم اتهاماً لنفسه ” ، لذلك علينا جميعاً عدم الركون كثيراً لانطباعاتنا عن أنفسنا وحدها، فما من شخص إلا وكانت انطباعاته رهن ثقافته وأفكاره ومعتقداته ، مما يخلق في ذهنه ألف مبرر ومبرر لمعظم سلوكياته ، فالبشر ليسوا بالوضوح الذي تصوره لنا السينما والمسرح ، ممثلون يجسدون الشر وآخرون يجسدون الخير ، البشر في الواقع هم خلائط من الدوافع والمبررات والمعتقدات ، يتأثر كل فرد حسب تمازجها فيما بينها داخل ذاته ، فما تقوم به من أفعال وردود أفعال إنما هي نتاج المحفزات الجاثمة على وعيك ونمط تفكيرك والتي ربما لم تزل تصور لك سلوكك على أنها الخير والعدل والحق ، غير أن ذلك ليس بالضرورة مطابقاً لوجهة نظر غيرك ، على أية حال .. انظر للمرآة بتجرد وقل ” من أنت ؟! ” لعلها تجيبك بتجرد كما أجابتني ذات يوم .
@ad_alshihri
[email protected]
التصنيف:
