تغريب أم تحديث ؟
قوة الفكرة وإلحاحها على تجاوز حاجز الرفض هو ما يساعدها على بلوغ أقصى مدى داخل أي مجتمع مهما كانت تحرزات الأخير، ولا تأتي قوة الأفكار بالطبع من فراغ مطلقاً ، إنما من كونها وليدة للمعرفة ، فالمعرفة هي الرحم الولاد لها ولأخواتها دوماً على مر العصور ، والدليل الفلسفة الرشدية العربية التي تغلغلت في كل أوروبا في حينها مع شدة تمنع الكنيسة لها ورفضها لكل مفرزاتها ، تماماً كالراديو الذي رفض أول الأمر في السعودية ثم ما لبث حتى نفذ كما نفذ الهاتف والتلفزيون والكاميرا وتعليم المرأة وأنظمة البنوك والشركات والستلايت والبث المباشر وكاشف الأرقام وجوال الباندا والتبرع بالأعضاء وغيرها .
لكن.. لماذا الرفض يفشل في حجب الأفكار الجيدة رغم قسوته أحياناً؟.
في اعتقادي أن عقدة المسألة تكمن في حقيقة كون معظم تلك الأفكار آتية من مطبخ واحد ، المطبخ الغربي ، لذا يتم رفضها من باب رفض التغريب ، مع أن التغريب في حد ذاته ترجمة حرفية لمصطلح westernization “” !! الذي يعني تحويل كل ما هو غير غربي إلي غربي ، وهذا بالطبع محال .. فلا الغرب سيكون أبداً شرقاً ولا الشرق سيكون غرباً ، إن هذا الربط بين الغرب وبين ما ينتجه الغرب من أفكار يضع الأخيرة دوماً في سلة الرفض مع الأولى دائماً ، وهو ما يجعل من مآلات الرفض بهذا التعميم والشمولية محبطة للرافضين أو محرجة لهم كثيراً فيما بعد ، فالتغريب كنسق ثقافي يشمل العادات والتقاليد والمعتقدات والموروثات لا يتم احلاله إلا بالقوة ليس كما التحديث ، فالأخير مجرد آلية لتجديد نسق ثقافي قائم وتطويره ومعالجته ، ومن غير المنطقي مجابهتهما بذات النظرة ، إذ يجب أن نفهم أن الغرب مجرد حقل للمعارف المعاصرة لا أكثر ، تماماً كما كانت الهند يوما ماً حقلاً للمعرفة التي أفادت بإنتاجها الصين واليابان وفارس في القرون الغابرة ، هذه الإفادة لم تكن تهنيداً للصين ولا اليابان ، ولم تكن تسييخاً للفرس أو تبوذياً لهم ، كذلك اليونان بالنسبة للمسلمين الأوائل .. كانت لأجدادنا مجرد معارف وتجارب وخبرات ومنتجات وأفكار وفلسفات تم التعامل معها ضمن إطارها المعرفي فقط ، بينما وثنية اليونانيين وأساطيرهم وخرافاتهم فبقيت حيث هي ..أي لم تكن المسألة تغريقاً للمسلمين ، بل حتى المسلمين إبان توهج معارفهم لم يقصروا في اختراق تخلف الأوروبيين حينها بعلومهم وأفكارهم ونتاج تجاربهم وخبراتهم ، ومع ذلك لم يلبس الأوروبي العمامة الخوارزمية ولم يتخل أبداً عن لغته ، فلو تساءلنا لماذا نحن غارقون في أفكار الغرب ومنتجاتهم رغم كل مساعي رفض بعضنا لها فإننا لن نخرج سوى بنتيجة واحدة ، سحر المعرفة ، المعرفة هي عابرة المحيطات بلا سفن ، والنافذة عبر الحدود بلا تأشيرة أو جواز سفر ، المعرفة لا يمكن صدها .. أما الجغرافيا بثقافاتها وتراثها وأديانها فتظل مرهونة لاعتبارات شديدة التعقيد يجعلها صعبة التحرك من بيئاتها ومنابتها إلا بقوة السلاح والتجييش والاحتلال والتسلط ، وحتى بهذه الأدوات لا يمكن فرض الغرب على الشرق أو العكس ، لذلك لا قوة اليوم وغداً وبعد غد سوى قوة المعرفة..قال الله تعالى (فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
@ad_alshihri
[email protected]
التصنيف:
