القيادة بين القوة والقدوة
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]د.قدري حفني [/COLOR][/ALIGN]
يعد وجود القيادة شرطا لاكتمال وجود الجماعة بمعناها العلمي وسواء كانت جماعة رسمية أو غير رسمية, سواء كانت جماعة صغيرة أو كبيرة.
ويدرس طلاب علم النفس في سنوات دراستهم التخصصية الأولي العديد من النظريات والتجارب والدراسات التي تتناول أنماط القيادة وأساليبها, وأهمية التفرقة بين القائد الرسمي والقائد غير الرسمي الذي يطلق عليه أحيانا القائد الشعبي.
وقد شد ذلك الموضوع اهتمامي منذ سنوات التلمذة حتى أنني اخترته موضوعا للحصول على درجة الليسانس الممتازة التي كانت تتطلب آنذاك أن يكلف الطالب بإعداد بحث أو دراسة مقرر إضافي يؤهله للحصول على تلك الدرجة , وقد ألغي ذلك النظام فيما بعد.
اخترت آنذاك أن تكون دراستي على مجموعة من الأطفال بهدف التوصل إلى خصائص من يعتبرونه نجما أو مثلا أعلى لهم في مجموعتهم, يرجعون إليه, ويثقون فيه, ويتبعون نصائحه. ومضت السنوات لأتعلم المزيد من دروس الحياة ولأتيقن من وجود تلك الفجوة الهائلة بين القائد الرسمي والقائد غير الرسمي أوالنجم. وعبر خبرة معسكر التعذيب تجسدت أمامي تلك الظاهرة تماما: قائد معسكر التعذيب يتم تعيينه بقرار من سلطة عليا ليصبح الأمر والنهي دون منازع.
وليس من شك في أن غالبية المعتقلين كانوا ينفذون أوامر ذلك القائد الرسمي ولكن بصورة ما, بمعني أن ذلك التنفيذ يمر عبر شبكة من القيادات غير الرسمية, أي قيادات المعتقلين, التي كانت تنصح أتباعها غالبا بإطاعة الأوامر حماية لهم من الأذى وحرصا على حياتهم, وقد تكلفهم أحيانا ــ أو تكلف بعضهم ـ بالقيام بتمرد منظم محسوب باعتبارهم ممثلين للجماعة.
وبطبيعة الحال كان يمكن للبعض أن يتمرد على أولئك القادة غير الرسميين, ولكنهم بذلك يعرضون أنفسهم لعقاب قد يكون أشد وأقسى من العقاب الرسمي وهو احتقار الجماعة لهم وتبرؤها منهم.
وقد تبين لي من قراءاتي بعد ذلك أن خبرتي تلك لم تكن بحال خبرة فريدة, بل إنها تكاد تكون الخبرة العامة المشتركة لمعسكرات الاعتقال والتعذيب عبر التاريخ والتي يمكن إيجازها في حقيقة أن طاعة القائد الرسمي إنما تتم عبر موافقة ــ أو على الأقل عدم اعتراض ــ القادة غير الرسميين.
ومضت بي الأيام لتتعمق خبرتي مع أحفاد جيلي, و لأرى الظاهرة تطل برأسها من جديد. ها نحن الآباء والأمهات والجدود والأجداد لدينا قرار اجتماعي تاريخي ديني بل وحتى حكومي, بأن لنا أن نأمر الصغار وأن نحملهم على طاعتنا, فإذا بي الحظ أن الأحفاد يراجعون ما نزودهم به من معلومات خاصة فيما يتعلق بجدوى انشطتهم الترفيهية, مع بعض من يعتبرونهم أهلا لثقتهم من بين أقرانهم الصغار, فإذا ما أقر هؤلاء معلوماتنا صدقونا والتزموا بتوجيهاتنا, أما إذا لم تحظ معلوماتنا بالقبول, ووجد الأحفاد أنهم أعجز من ممارسة الرفض الصريح تأدبا أو خوفا أو حتى حبا, أسروها في أنفسهم كما لو كان لسان حالهم يقول غدا سنكبر وسوف يكون لكل حدث حديث.
تذكرت تلك الأحداث البعيدة القريبة وأنا أتأمل أحوال مصر والدول العربية, وأتابع ذلك الحديث المتكرر عن انحسار وتراجع الدور المصري القيادي في المحيط العربي. وتساءلت:
ترى أي نوع من القيادة يفترض أن تمارسه دولة ما على محيطها؟ وبدا لي أنه ليس سوى سبيلين: إما الاعتماد على القوة المادية العسكرية , وإما الاعتماد على تقديم القدوة السياسية الثقافية الحضارية. ولقد مارست مصر عبر تاريخها الطويل كلا السبيلين: مارست التأثير بالقدوة فكان المعلمون المصريون والفنانون المصريون والثقافة المصرية والسياسة المصرية هي أدوات ذلك التأثير, ومارست أيضا سبيل التأثير بالقوة بشكل أو بآخر أكثر من مرة في تاريخها الحديث, كان آخرها منذ منتصف الخمسينيات حتى1967, ولم تلبث أن اضطرت للإقلاع عنه بعد النكسة, لتعود بعد انتصار أكتوبر1973 واختيارها لاستراتجية السلام إلى السبيل الثاني, أي ممارسة التأثير بتقديم القدوة السياسية, والرهان على أن خيار السلام هو طريق المستقبل, و أن خيار الحرب لا يحقق السلام ولا الأمن, و ظلت على موقفها رغم استنكار الدول العربية لهذه الرؤية, بل القيام بقطع العلاقات معها . ولم تلبث أن عادت تلك العلاقات, وظلت بعض الدول العربية علي تحفظها, إلى أن انعقدت القمة العربية الرابعة عشرة في بيروت في أواخر مارس2000 حيث تبنت الدول العربية جميعا ما عرف بالمبادرة العربية للسلام, والتي ورد في مقدمتها مانصه… انطلاقا من اقتناع الدول العربية بأن الحل العسكري للنزاع لم يحقق السلام أو الأمن لأي من الأطراف… أي أن الإجماع قد انعقد على ما رأته مصر منذ سنوات بعيدة. خلاصة القول إذن: إن الدور المصري القيادي في المجال السياسي, قد تقدم ولم يتراجع, ولكن ما اختلف هو أسلوب ممارسة الدور, إذ تحولت مصر من ممارسة التأثير بالقوة , إلي التأثير بالقدوة.
الأهرام المصرية
التصنيف:
