[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]بخيت طالع الزهراني[/COLOR][/ALIGN]

** لم يعد مستساغاً أن يتم تغييب الحقيقة، وأن تظل الشفافية غائبة، حتى لكأن التعتيم هو الأصل، وأن كشف الحقائق هو الاستثناء أو الشيء الغريب، وهذه في الواقع من أهم مصائب العالم الثالث ونحن منهم، ابتداء من داخل الأسرة الصغيرة، إلى آخر نقطة في المجتمع.. وما أفلح المجتمع الغربي خصوصاً، والعالم المتقدم شرقاً وغرباً، إلاّ بعد أن صارت معظم أمور حياته على المكشوف.. فلا حقائق عندهم غائبة، ولا أحد يجرؤ على اخفاء معلومة، وأكثر من ذلك فإن كل أحد يستطيع أن يقول رأيه بصراحة، وبدون هلع أو شكوك أو ريبة من عاقبة أمره.
** كنت قبل أيام اقرأ شيئاً من صفحات التاريخ في فترة الخلافة الراشدة، وإذ بكل تلك القيم والمعاني الجميلة هي في الواقع بضاعتنا نحن المسلمين، وعجبت كيف نسيناها حتى لم تعد إلاّ مجرد تراث محفوظ في الكتب، ثم كيف فطن لها الآخرون من حولنا، وجعلوها منهج حياة لهم، فكانت واحدة من أهم أسباب سيادتهم وظهورهم على أمم الدنيا، بينما نحن المسلمين في الأساس صُنّاع ذلك المجد الحضاري، الذي بهرنا به الدنيا يوماً ما، وسجلنا من خلاله عناوين عريضة في جبهة الزمن، واحدثنا من خلاله ثورة على السائد يومئذ، وهي الثورة التي جاءت منسجمة مع طبيعة الحياة الصحيحة، والحاجة الطبيعية للإنسان، فكان ان تهاون امام تلك الثورة – كأمر طبيعي- اعظم قوتين في الأرض في ذلك الزمان الفرس والروم.
** أنت وأنا على مستوى أمورنا الشخصية نحتاج إلى أن نعيش حياتنا اليومية بشكل طبيعي، وإذا أردنا بلوغ هذا الحلم الجميل، فلا بد ان نتعامل بصدق وشفافية وعدل داخل اسرتنا الصغيرة، يجب كأمر متحتم الا نكذب أو نتلون او (نلف وندور) فما في داخلك من رؤى وافكار نطرحها بكل حرية على بساط النقاش العائلي، ضمن جولة حوار حضاري، تتحول مع الزمن الى ثقافة داخل الأسرة الصغيرة، فما كان ممكناً ومعقولاً نقلاً وعقلاً وشرعاً فمرحباً به، وما كان خارج ذلك فأنا احاول اقناعك بتعذر تحقيقه، وبالتالي لا بد عليك – في نهاية المطاف – ان تستجيب له بكل رضا وقناعة، كثمرة جميلة لرسوخ ثقافة الحوار الحضاري.
** وعلى مستوى اكبر قليلا، ما الذي يمنع ان يصرح مدير مركز للرعاية الصحية الأولية مثلا، ويقول سواء عبر الصحافة او من خلال ندوة مع اهالي الحي، ان إدارة الشؤون الصحية لم تلب له طلباته المتكررة بتوفر خمسة من الاطباء والطبيبات مثلا، حيث ان طبيباً واحداً لم يعد يكفي لعلاج المرضى من النساء والرجال المتزاحمين على باب عيادته الوحيدة، وان هذا تقصير واضح من الوزارة (!!).
** وما الذي يمنع مدير التربية والتعليم بهذه المنطقة او تلك ان يقول بالفم المليان اننا متأسفون، فقد بدأنا العام الدراسي وما زال لدينا نقص في معلمي مادة الانجليزي، والكيمياء مثلا، وان شركات الصيانة قد أخلت بوعودها ولدينا كذا مدرسة ليست جاهزة، بدلاً من الاكليشة المضحكة المعتادة، والتي لم تعد تنطلي على احد بأن \”كل شيء هو تمام التمام\”!!
** وهكذا يمكننا ان ندخل شيئا فشيئا إلى عالم المكاشفة، والشفافية من بابها الامامي الواسع، ونقدم دروساً عملية واقعية للمجتمع من حولنا، يكون من ثمارها تكريس هذه الثقافة الجديدة، لتكون بحق وحقيق ممارسات على الأرض، بدلاً من كونها فقط شعارات لا علاقة لها بالتطبيق الحي على الواقع، وحتى يمكن لها أن تصبح ثقافة مجتمعية يتلبس بها الطفل الصغير والمسؤول الكبير، والأسرة الواحدة، والمجتمع كله كمجموع عام.
** إن من يعتقد ان هذه المفاهيم والقيم غائبة عن آمال وطموحات الناس فإنه واهم، لأننا في هذا العصر، كمجتمع عالمي كبير اصبحنا قرية كونية صغيرة، وما نراه من قيم وممارسات ثقافية تعتمد الصراحة والمكاشفة والصدق في أي ركن من العالم، هو بالتأكيد رسائل تصل إلى الآخرين، ومن خلالهم يقيس كل مجتمع حجم تشعبه وتفعيله لهذه الثقافة.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *