الأمانة تغرق!!
بضع ساعات من الأمطار في مكة فجر الأمس بعد جفاف استمر حوالي السنة، كان كفيلا بأن يغرق مكة بشوارعها ومركباتها وناسها وتخليف أضرار وخيمة أعادت إلى الذاكرة أربعاء جدة الأسود وسيول الرياض التي كانت فاجعة في تاريخ السعودية بما تسببت به من إزهاق للأرواح وتخريب للممتلكات وتشريد للمواطنين. في كل موسم أمطار يسترجع المواطنون تلك المأساة التي غيرت موازين الرجاء والدعاء وقلبت صلاة الاستسقاء إلى توسُل الجفاف. بين المواسم الممطرة لا ينسى هؤلاء المشاهد المؤلمة لذلك الأسبوع من عام 2009، لكنَهم يصدِقون الوعود بالحساب والبناء ويتوكلُون على الله ثم على من وعدوا ومن بيدهم إصلاح ما يمكن إصلاحه، ويمضون في حياتهم واثقين أن كارثة كتلك لا يمكن أن يسمح كائن من كان بأن تتكرَر، وأنه ريثما ينشغلون بمشاغلهم,هناك بلا شك من ينشغل بالبنيَة التَحتية. ثم يأتي موسم جديد وتتكرَر السيول لكن بخسائر أقل، ليس لأن مشاريع تصريف السيول أنجزت لا، بل لأن الناس أصبحت تظل حبيسة منازلها من أول قطرة مطر وحتى آخر قطرة تحسُباً للأسوأ. يمنِيهم المسؤول ويمنُون أنفسهم بأن مثل هذه المشاريع لا يمكن إنجازها بين يوم وليلة أو سنة أو سنتين، ولكنَها حتماً قيد التنفيذ.
حصلت كوارث سيول جدة والرياض بنهاية شهر نوفمبر من عام 2009 ، بعد فائض ميزانية 40 مليار لعام 2008، وغرقت مكة في سيولها الآن في مايو 2014. بين التاريخين خمس سنوات شهدت خلالها المملكة أكبر فائض ميزانية في تاريخها واحتلت المركز الأول عالمياً في قيمة فائض الحساب الجاري، فبنهاية 2010 بلغ فائض الميزانية العامة للدولة 108 مليارات ريال، تلاه فائض 2011 والذي قدِر ب 306 مليارات ريال، ثم فائض 2012 والذي وصل قياسيا ل 386 مليار ريال، ثم 206 مليارات ريال بنهاية عام 2013، ليصل إجمالي فوائض المملكة آخر عشر سنوات إلى 2.08 تريليون ريال. إذاً لا ينقصنا المال بتاتاً، بل إن أمانات المناطق والمحافظات تتباهى بالميزانيات التي خصَصتها لمشاريع تصريف مياه الأمطار ودرء مخاطر السيول كل يوم وآخر منذ ذلك الحين. لكن حتى بعد أخبار متفرقة تتهم أمانات في المملكة بالتعاقد مع شركات خارجية لاستخدام غاز «الكيميتريل» السام لرش وتفريق السحب، إلا أن الأمطار هطلت وفضحت هشاشة هذه المشاريع أو اختفاءها. إذا كان هناك ميزانية ترليونية وفوائض ترليونية ومخصصات سخيَة للأمانات ومشاريعها وخمس سنوات طويلات منذ اكتشاف الخلل، إذا ..؟؟!
التصنيف:
