أوقفوا الهجرة للمدن الكبرى
عبدالرحمن آل فرحان
هجرة المواطنين للمدن الكبرى كالرياض وجدة والدمام وغيرها لم تزل في أوجها رغم مساعي الحكومة مؤخراً في التخفيف منها ، حيث يبدو أن تلك المساعي التي منها افتتاح العديد من الجامعات في معظم محافظات الوطن الطرفية ليست في مستوى الأزمة كون تلك الجامعات استهدفت فئة طلاب وطالبات الثانوية فقط بينما حمى التوظيف لا زالت في معظمها بين فكي المدن الكبرى ، فإذا ما أخذنا الرياض كأنموذج للمدينة الكبرى لاكتشفنا أنها بمفردها تحتوي على ما يزيد عن عشر جامعات تعليمية ما بين حكومية وأهلية علاوة على جميع الكليات العسكرية والعديد من الكليات والمعاهد الأهلية المتخصصة ، فإذا ما تجاوزنا لمسألة استقطابها للطلاب والطالبات فإنها بلا شك تعد محاضن للكثير من الوظائف التي لأجلها يضطر العديدون من شاغليها ترك مدنهم وقراهم البعيدة أينما كانت ، أضف لهذه الجامعات والكليات العديد المؤسسات الأخرى الحكومية كالمدن الطبية والاقتصادية والرياضية والصناعية وسائر إدارات الشركات والمصانع والبنوك في الدولة لا يمكن للمواطن أن يجدها بالقرب من مدينته أو منطقته التي نشأ فيها ما يجبره على هجرتها ليستقر في مدينة الرياض .
فسياسة التكديس الغريب لكافة شؤون ومناشط الحياة التنظيمية للدولة والمجتمع داخل منطقة واحدة لابد وأن يلقي بظلاله الخانقة على كل شبر من هذه المدينة والتي في طليعتها كما قلنا هو تراكم الوظائف ومصالح الناس فيها على حساب المدن الطرفية ، ولعل إدارات التربية والتعليم في تلك المدن يعون أكثر ما أعنيه ، إذ ما من عام يمر إلا وتضطر لإقفال مدرسة أو مدرستين من مدارس القرى التابعة لتلك المدن بعد أن يتبين لها أن غدت خاوية على عروشها .
والحل معروف وجلي وبالإمكان تطبيقه ، فالسعودية لا تقارن بالصين من حيث السكان ، إلا أن الأخيرة استطاعت استدراك هذه الأزمة ، وذلك من خلال سياسة تأهيل المدن الريفية الصغيرة البعيدة لتتحول لمدن متخصصة في انتاج أو صناعة منتج ما ، يختلف عما تنتجه المدينة الأخرى ، كأن تكون إحداها مدينة لإنتاج الأثاث المنزلي وتكون الأخرى مدينة لإنتاج الدواجن وأخرى للإلكترونيات وهكذا ، في الوقت الذي يمنع فيه التصريح لمثل هذه المناشط داخل العاصمة ، ولم يقتصر الأمر على الصناعة والانتاج فقط ، بل تعداه إلى التعليم الجامعي والنصف جامعي .. إذ أن كل مدينة مختصة بإنتاج سلعة معينة يتعين أن تكون الكليات فيها متخصصة في التدريب على ذلك الإنتاج من الألف إلى الياء وهكذا دواليك مع سائر المدن الأخرى المشمولة بهذا التنظيم ، مما أدى مع الوقت إلى عودة التوازن السكاني في كافة أرجاء الدولة ، ودولتنا ولله الحمد تعادل في مساحتها مساحة ست دول من حجم فرنسا في حين أن فضل الله سبحانه عليها جعل سكانها لا يعادلون ربع سكان دولة صغيرة مثل بريطانيا ، وهذا يعني أن فرصة حل الزحام والاختناقات المرورية فيها لم تزل سانحة ، كل ما في الأمر أنها بحاجة لخطة إنقاذ خمسية أو عشرية واجبة التنفيذ بكل دقة ، تستهدف تفكيك التكديس المؤسسي داخل العاصمة وبعض المدن الكبرى كجدة والدمام ، ومن ثم إعادة توزيع تلك المؤسسات باتجاه المدن الطرفية في الشمال والجنوب والشرق والغرب ( ليس جميع المؤسسات طبعاً إنما تلك التي لا ضرر في أن تمارس أنشطتها في مدينة أخرى غير العاصمة ) .
التصنيف:
