أهمية أن تكون مقامرا!‏

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]مفيد فوزي[/COLOR][/ALIGN]

أبادر من اللحظة الأولى أن أعلن اني لا أدعو للقمار الذي تحاربه وتنهي عنه كل الأديان ويسبب الكوارث في البيوت‏،‏ ويهدم الأسر ويشرد الأطفال‏،‏ القمار بكل أصنافه‏،‏ على مائدة خضراء في بيت أو مضاربة في بورصة البوشي‏،‏ للعلم‏،‏ أنا أكره القمار والمقامرين واعترف بفضل الله أني لا أدخن ولا أقامر ولم أحاول التجربة‏،‏ ولكني ـ في المقال ـ الذي تحت بصركم وبصيرتكم‏،‏ أمجد قيمة الصلابة في الحياة‏،‏ وبصراحة‏،‏ أنا أحارب هشاشة الذات من داخل صدفة النفس‏،‏ لابد من اخفاء ضعفك بوجه مقامر‏،‏ وجه أملس ناعم‏،‏ وعيون زجاجية ليس فيها رفة جفن‏،‏ أو نبضة رمش‏،‏ فما عادت الحياة رومانسية ولا عدنا نعيش في زمن زراعي تغني فيه ليلى مراد‏ (الحب جميل‏)‏ ولا تشدو فيه أم كلثون‏ (عزة جمالك فين‏)،‏ ولا يغني فيه عبدالوهاب‏ (محلاها عيشة الفلاح‏)،‏ ما عاد هذا زمان‏ (كتر خيرك‏)‏ عندما نشكر ولا زمن‏ (حسك في الدنيا‏)‏ عندما نتمنى طول العمر لأحبائنا‏.‏
يلتقط الناس عيوبك وينسجون منها حبلا يشنقونك به‏،‏ ومن ثقوب نقاط ضعفك يتسللون ويتربعون‏،‏ علمت ابنتي ـ مرهفة الاحساس ـ ألا يرق قلبها لرجل يزحف على الأرض بين السيارات في إشارات المرور يستجدي الناس‏،‏ وحينما رآني رجل أذكره جيدا باحترام اسمه اللواء محمود وجدي حين كان مديرا لمباحث العاصمة‏،‏ حيث ذهبت احقق بالعدسات أمور البلطجة بالسنج وبلطجة الاتجار بالعاهات‏،‏ فالرجل المقطوع الرجل ـ أي القدم ـ يتفنن في اخفائها‏،‏ والمرأة الكفيفة حاملة طفلها ترى أوضح مني ومنك‏!‏ وربما كان هؤلاء يستغلون رحمتك بوسائل غير مشروعة‏،‏ ولكن الكارثة في الذين تمنحهم ثقتك المطلقة فيخدعونك نهارا جهارا‏،‏ لابد من وقف العواطف الجياشة في هذا الزمن‏،‏ فهذا أوان تقنين المشاعر‏،‏ ومن المهم تصويب الأحاسيس للهدف الصحيح‏،‏ أما بعثرة المشاعر بلا حساب والثقة الزائدة في البشر بلا حساب فهذه هي الغفلة بعينها أو الطمأنينة الكاذبة بنصها وروحها‏،‏ لم يأت بعد ذلك الزمان الذي تصبح فيه أدوات الحرب الفتاكة في المتاحف‏،‏ نحن مازلنا هائمين في وادي الخلاص وأغلب الصداقات اكذوبة تحكمها المصالح‏،
‏ ذهب ذلك العصر الذي كانت فيه الصداقة هي‏ (البكاء بعيون الآخرين‏)،‏ هذا زمان يصعب فيه التمييز بين العدو والصديق‏،‏ كلها ابتسامات وأحضان تفتقر إلى تحليلات المعامل لتثبت صدقها‏،‏ من الممكن أن يتخفى عدوك في ثياب صديق فتجامله بعذوبة وسلامة نية ونقاء قلب‏،‏ هنا أتوقف عند‏ (النية‏)‏ وأطلب لها المناعة‏.‏ إن ضعف المناعة في النية يعرضها لصدامات لا أول لها ولا آخر‏،‏ وقد صرنا نصف فلانا بأنه‏ (على نياته‏)،‏ أي انه ليس فطنا ومعرفته بالدنيا محدودة‏،‏ والمناعة في النية تجعلك تميز بين الخير المضروب والشر المغلف بسلوفان‏.‏
إن أهمية أن تتمتع بوجه مقامر‏،‏ تكمن في فهمك العميق لمن حولك فلا تنخدع بسهولة في كلام معسول‏،‏ ولا في تحريض مبطن وبصراحة أكثر لا تكشف كل أوراقك‏،‏ وجه المقامر مطلوب في السياسة ومطلوب بشدة في الدبلوماسية‏،‏ ومطلوب في الحياة‏،‏ وأنا لا أرمي بذور الشك في البشر كأنثى العقرب ولكني آخد حذري‏،‏ سمعت مرة من المهندس سيد كريم وهو في سن التسعين يقول‏ (توقع الغدر من أقرب الناس إليك ولو بنسبة‏5%)،‏ وكان المفكر القانوني جمال العطيفي يقول‏ (لا تعطي لأصدقائك فرص النيل منك‏)،‏ العطيفي لم يقل لا تعط لأعدائك‏!‏ والمفكر مصطفى محمود ـ شفاه الله ـ يرى أن‏ (الشك جسر لليقين‏)،‏ وقد سمعت الدكتور النبوي المهندس يقول ـ وأنا شاب بعد ـ قليلا من الحيطة تقلل وقع الصدمة‏،‏ ولا أنسى نصيحة الحكيم د‏.‏ مصطفى خليل اختبر دائما معدن من تعامل‏،‏ ويستطرد ضاحكا‏ (فيه براني كتير‏)،‏ نعم الوفاء كالديناصور‏،‏ كلاهما انقرض‏،‏ ولكل إنسان‏ (أجندة‏)،‏ فلا تتطوع مختارا للكشف عن أجندتك الا لمن يستحق‏،‏ الحياة العصرية تفرض عليك أن تعرف ما تريد دون أن يبدو عليك ذلك‏،‏ قد تعتصرك الأحزان‏،‏
ولكن كما يقول شاعرنا أحمد عبدالمعطي حجازي‏ (استجمع أحزانك واضرب‏.. استنهض قلبك في يدك‏..‏ وصوب‏..‏ اضرب‏).‏
تلاحظون‏،‏ أن كلمة‏ (الأخلاق‏)‏ أو‏ (القيم‏)‏ لم تأت على سن قلمي ليس انكارا لوجودها‏،‏ ولكن اعترافا بتقلص مساحتها‏،‏ في جيلي كان يقال عن عريس شاب‏ (عنده أخلاق‏)‏ واليوم يقال‏ (عنده شقة وعربية‏)،‏ في جيلي يقال عن عيلة‏ (ناس تعرف الأصول‏)‏ واليوم يقال عن عيلة‏ (تعرف أصول اللعبة‏)،‏ من هنا‏،‏ أدوس على قلبي‏،‏ لو كان السبب في صدمات الحياة‏،‏ وأبدو قويا في مجتمع لا يعترف إلا بالأقوياء‏.‏
كان كاتب المسرح المتفرد سعدالدين وهبة يقول لي في حوار اذاعي‏ (ابتسم في وجه عدوك‏،‏ ربما كانت ابتسامتك سكة السلامة‏)،‏ وكان للداهية السياسي كيسنجر عبارة شهيرة‏ (اقرأ أي نص بالعكس فربما كان هذا حقيقة النص‏)،‏ إن اقامتك الجبرية الأخلاقية في خندق حسن النية مرفوض في زمن العولمة‏،‏ وزمن التكنولوجيا‏،‏ حين يدينك قلم حبر له خاصية التسجيل صوت وصورة‏،‏ لست أطلب صمت الرماد ولكني أطلب صمت المعرفة الخلاقة في الحياة والعمل‏،‏ لن تضطر للنفاق انما لشئ من المجاملة وهي من أبجديات الحياة‏،‏ لن تضطر لمصارحة الآخر برأيك فيه‏،‏ إنما الاحتفاظ بهذا الرأي بين ضلوعك‏،‏ وحين تتمتع بوجه مقامر لن تغضب‏،‏ فالغضب المعلن نقطة ضعف‏،‏ وتسهل أخطاؤك ويسهل اصطيادك حتى لو كنت صاحب حق‏،‏ وكان يوسف إدريس يردد‏ (الأعمار بيد الله ولكن أصحاب القلوب الدائمة النبض يسرعون الخطى نحو القبر‏)،‏ ذلك أن من يعرف يحزن ومن لا يعرف يحزن أكثر‏،‏ اننا ندور في ساقية الحياة‏،‏ مغمضو العيون والعقول‏،‏ نجر أثقالنا أمامنا وخلفنا‏،‏ يغزونا الغضب‏،‏ وترجمنا التقاليد ويدوسنا الزحام ويصبح التنفس عزيزا والفرح شحيحا‏،‏
والمرارة تتراكم على جدران نفوسنا ونتطلع إلى الأمل ولو كان سرابا‏،‏ ولكن مثلما تحتفظ بسرية بطاقتك الائتمانية‏،‏ احرص على سرية‏Password))‏ المدخل الى عالمك‏.‏
الإهرام المصرية

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *