أعمى .. أم .. بصير ؟
وهبطت بنا الطائرة بعد تأخير دام اربع ساعات ..وكالعادة مارست هوايتي المحببة وهي النوم على كرسي الطائرة طوال الرحلة ..وصحوت قبل الهبوط بربع ساعة ..وقررت أن أفوم بأداء بعض التمارين الإيحائية لأقشع عني شعور الاحباط الذي انتابني نتيجة التأخير فحدثت نفسي وقلت ..اليوم سيكون جميلا ..وسوف اكون سعيدا عندما اخرج من الطائرة ..لان مطار الملك عبدالعزيز قد تغير ..واصبح نظيفا ..ومنظما.. ومرتبا.. ومبهجا ..ومطورا.. والحمامات تبرق من النظافة ..والارصفة خارج مبني المطار مغسولة بالماء والصابون المعطر . ومواقف السيارات مظللة ..واكشاك الخدمات التي تحيط برصيف المطار اختفت ..وان الملصقات الورقية الصغيرة والكبيرة التي تلصق علي الكاونترات والحوائط والابواب قد نزعت ومنعت تماما ..وان عمال تحميل العفش ملابسهم وأزياؤهم جميلة ونظيفة ..وروائحهم معطرة .. باختصار لقد غمرني شعور واحساس جارف وعارم بالتفاؤل ..؟! لا اعلم مصدرا له؟ وحمدت الله علي ذلك ..
والمفرح انني عندما دخلت صالة الجوازات كانت الاجراءات افضل مما توقعتها من سرعة ودقة ورقي في التعامل …ذهبت الي منطقة الجمارك وكانت سيولة الحركة وسرعة التفتيش ملفتة للنظر ..وعندما خرجت الي بهو الصالة صدمت لما رأيت من اللوحات الاعلانية المنتشرة والمنثورة علي كل جدار وحائط وتذكرت صالة السفر وهي مغطاة باعلانات لشركة دهانات ( بويات) حتي خيل الي انني في مطار خاص بهذه الشركة..ولو كان مطارها لما فعلت ذلك .. حيث غطت كل المساحات الفراغية التي يمكن للعين ان ترتاح لها وتركت لدي انطباعا بانني لست في مطار الملك عبدالعزيز ..
وخرجت من مبني المطار لأصدم للمرة الثانية ..واحبطت ..لانني بذلت جهدا خارقا كي اصل الي مرحلة التفاؤل هذه ولكنني لم اجدها علي ارض الواقع فقررت ان اعود الي داخل المبني كي ابحث عن عصا تساعد فاقدي البصر في تحسس الطريق والسير ..لانني قررت ان اغمض عيني واستعين بالعصا حتي لا اري اي شئ يعيد الي احساس وشعور الاحباط. وركبت سيارة التاكسي .. ولا زلت اتظاهر بالعمي وانفلت صاحب التاكسي وهو شاب يحدثني في امور متفرقة وفجأة قلت له معلقا علي حديثه ..انا من وجهة نظري فدهش الشاب ونظر الي باستغراب شديد وقال لي حيرتني ..هو انت اعمي والا بصير .. وهنا اسقط في يدي وتلعثمت ولم استطع الرد بوضوح .. فقاطعني الشاب قائلا والله انا خايف منك؟ ! فرددت عليه ..كل من يصل المطار يخاف ويتأفف منكم انتم سائقي التكاسي بسبب ازعاجكم وملاحقاتكم ومساوامتكم للواصلين لاركابهم .. وسرعتكم وقيادتكم للسيارة بطريقة غير آمنة وروائح سياراتكم المنفرة .. واستدركت قائلا للشاب انك انت الاستثناء الوحيد بين السائقين .. فابتسم وقال لي انا طالب ادرس في كندا مبتعثا وقضيت هناك ثلاث سنوات والان انا هنا في اجازة فارتأيت ان اعمل علي سيارتي مع احدي شركات تاجير السيارات بالهاتف ..وقال لي انني لا الومك علي استيائك ..فانا عندما وصلت مطار جدة اصابتني صدمة حضارية سلبية مثلك تماما لما رايت وعانيت. عندما نقارن مطارنا بالمطارات العالمية نجده في ذيل القائمة شكلا وموضوعا وابعد ما يكون ان شركة او اداره محترفة تتولي تشغيله.. لقد فقد المطار هويته ونظافته والصورة الذهنية الجميلة التي يمكن ان يتركها في ذاكرة الزائر او جمهور المسافرين بدءا من اصوات الاعلانات المزعجة وانتهاءا بغياب التنظيم والضوابط الغائبة في مناطق وقوف السيارات والتحميل والتنزيل وغيرها.
وقال لي الشاب لا بأس ان يكون مطارنا قديما ..ولكن لا بد ان يكون له هوية تماما مثل مطار الظهران الذي انشأته شركة ارامكو في منتصف القرن الماضي حيث يجب تحديثه تطويره وان يكون مريحا ومبهجا للمسافرين والقادمين. وقال الشاب العالم لا يبني كل يوم مطارا جديدا حتي يكون علي مستوي التوقعات بل يجب علي القائمين عليه ان يستشعروا التوقعات والخدمات المطلوبة ويطوروا المرافق وفق احدث النظم والامكانات.. وصمت الشاب فجأة ونظر الي يريد مني تعليقا ..
فقلت له ..انني اقترح علي ادارة المطار ان تستعين بشركة هندسة تصميم داخلي متخصصة لوضع اللمسات المهمة والضرورية في مظهر المطار والحفاظ علي هويته.
واخيرا .. يجب ان يتذكر كل مسؤول عن ادارة المطار ..اننا سئمنا الانتظار بل يئسنا من الوعود بان القادم احلي ..ما ذنب الاجيال تدفع ثمن التأجيل غير المفهوم والمبرر .. ان العالم يتغير كل لحظة وثانية ولا بد من الركض كي نبقي في مكاننا.
التصنيف:
