الأرشيف شذرات

من ذاكرة الدهشة

تتجه ذاكرة الدهشة لهذا العدد لدار زايد حيث ثمة شاعرة تلون المساء بألوان الطيف تم اختيارها من قبل مجلة ( لوفيسيال الشرق الأوسط) شخصية العام 2010م الأكثر تأثيراً في مجال الشعر إنها الأنيقة ( نجوم الغانم ) ؛ ومؤخراً طرزت مجموعتها الأخيرة بقصائد نقشت لها العنوان الأعذب «أسقط في نفسي» الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
…..
(كَرزُ الأيامِ الأسْودُ)
كَرزُ الأيامِ الأسْودُ
وَالآنَ أَيُمكِنُنيْ أنْ أَذهبَ ؟
أَحمِلُ سلـَّتيْ منْ
كَرَزِ الأيامِ الأَسْودِ
وتُوتِ الفجرِ الدَّاكِنِ ؟
أَأَذْهبُ بِهذه الباقةِ مِنَ الآلامِ التي
مَنحـَتْنيْ إيّاها السَنَواتُ مُدَّعِيةً أنّها
ستُعينُنيْ لأكونَ رُوحاً طَيِّبةً
فلا أَجرَحُ الهواءَ
ولا أَخدِشُ شُعورَ الكائِناتِ؟
هلْ صارتْ أَصابِعيْ خَبيرةً بمَواضِعِها
على الجُدْرانِ حينَ أَسيرُ مُغْمَضةَ العينَينِ
أَيُمْكنُنيْ تَعَلُّمُ فَتْحِ خزائنِ الحِكْمةِ
ومُناداتُكَ مِنَ الغيابِ؟
أوْ الاخْتِفاءُ في وَمْضةِ نجمةِ الرّاعيْ
وَالاحْتِراقُ بِرمادِها؟
وهذا المَساءُ الذي هُناكَ
ألم يَترُكْ شيئاً على الأشجارِ ليْ
هل أضَعتُ حاسّةَ المَعرفةِ
أم سرقوا مِنّيْ مَفاتيحَ الليلِ
أم أنّ شيئاً انْتثرَ في الهَواءِ
قبلَ أنْ أَتَحصَّنَ مِنْ سِحرِهِ
هل بَقِيَتْ خُطُواتيْ أكثرَ
ممّا ينْبغيْ على الرّملِ
فتَأخّرَتِ العاصِفةُ
وأفسدَ الصّباحُ الْجُزءَ المُتبقِّيَ
مِنَ النّوايا؟
ماذا حدَثَ
حينَ غَفَوْتُ قبلَ أنْ أذهبَ
إلى المَرْفأ؟
قبل أنْ أَحمِلَ سلـّتيْ منْ
كَرَزِ الأيّامِ الدّاكِنِ
أينَ وضعَتْنيْ الْمُفْتَرَقاتُ؟
ماذا سقَطَ أيضاً في مُنتصَفِ
المسافةِ غَيرُ كلماتِ القصائِدِ
غيرُ الحُبِّ مِنْ جَوفِ القلبِ
غيرُ النّهارِ مِنَ الليلِ
غيرُكَ أنتَ وأنا؟.

الأرشيف شذرات

من ذاكرة الدهشة …

في الشعر دائماً ما يحتار أحدنا هل القصيدة من صنع الخيال أم من واقع الحقيقة ..إلاّ أن الحال يختلف تماماً في النثر المكتوب على شكل مقالة أدبية عميقة …فلا خيار لدينا إلا أن نؤمن بأنه الالتصاق بالواقع بل والمجادلة في تفاصيل هي في يومٍ ما مرّت بأحدنا على الأقل أو بنا أجمعين ؛ ….الأنيقة التي عرفناها من خلال الشاشة الفضية الإعلامية القديرة ريما كركي وضعتنا أمام لوحة رائعة تحركها أجنحة الكلمات وتجملها دقة التصوير والتصوّر في المطار و الذي لا مفر من الحزن أو الفرح في ساحته .
………
المطار…ساحة اللقاء والوداع..أرض الدموع باختلافها…مكان يتشابه فيه الناس..تلتقي فيه العيون..تبرق فيه دمعة أمل بلقاءٍ آخر, هو نسخة وهمية عما قد يشبه\"الموت المؤقت\"..فالأحبة راحلون إلى أرض أخرى..بعيدة..قد لا نراهم ثانية…قد ينسونا…قد يتغيرون…كل الجنسيات قد تجتمع في هذه البقعة الواحدة…البعض يحاسب ويعاتب ويخاصم ويسامح حتى اللحظة الأخيرة،والبعض الآخر يصاب بحالة خرس تامة…ينسى كل ماأعده من وصايا ووعود..تغرق يداه وشفتاه في وجوه أحبائه..يحاول لمسهم بأي طريقة،كمن يخزَن من دفئهم لأيام قارسة آتية , كذلك في اللقاء..نسأل كل ثانية\"إذا وصلت الطائرة؟!\"كأن من ننتظره يظهر علينا من دنيا أخرى حين نراه قادماً باسماَ،راكضاً نحونا كأنه نجا من حالة خفنا أن تكون ثابتة.
يصل، نحضنه،نحاول التأكد من أننا نعيش واقعاً ملموساً،نكثر من القبلات والاحتضان،نبكي،نضحك،تضيع ملامحنا…فهي لحظة العودة،عودة النبض إلى الروح…فرصة لكسب وقت إضافي \"نشبع\"فيه من بعضنا…نبَرد فيه شوقنا الجائع المتلهف..
المطــــــــار..أرض تحتضن دقات القلوب وقلقها…أرض الأسئلة التي جواب لها…أرض الوعود التي يتصارع عليها الأمل واليأس،الخوف والتحدي…دنيا من كلمات اختنقت في صدورنا…صرخات صامتة مدوية أعلى من صدى\"النداء الأخير للمسافر على متن الطائرة\"…
* * * * * * *
المطــار…هي لم تعتد بعد مواجهة هذا المكان….يرعبها صوت\"النداء الأخير\"….\"يعصرها\" تكراره….\"النداء الأخير\" للمسافر المتأخر الذي لايريد مفارقةحبيبته…كالطفل الصغير الخائف…والرافض لكل النداءات الأخرى…
برد شديد ينتابها،كلما دخلت هذا المكان…قلبها يهرب…يداها ترتعشان…تتعرقان من الصقيع…ترتجف…تنظر
إلى ساعتها كل ثانية..تطمئن إلى أنه لا يزال هناك لحظات للتنفَس…وقت قليل لتسرق الهواء والشمس من عينيه..قبل أن يرحل…ليعود الخوف رفيق أيامها….خوف من \"المجهول المعلوم\"…من انتظار لن ينتهي هذه المرَة…..

للإعلامية القديرة / ريما كركي

الأرشيف شذرات

من ذاكرة الدهشة….

لا أبجدية تعلو أبجدية شاعرنا الأعذب سمو الأمير بدر بن عبد المحسن وكل مفردة أكتبها واصفاً أسطورة الشعر المعاصر تتقزم وتمحو حروفها قبل أن تحررها الأوراق، فشاعر زاوية ذاكرة الدهشة لهذا العدد سبق وأن احتل كل مساحات الذاكرة الجميلة ليس من خلالها قصيدة واحدة بل من خلال مسيرته الإبداعية الدائمة والمتجددة،… فمن خلال كلماته نشعر دائماً أن هناك ثمة إنسان يملك شعور للفرح تارة وللبكاء تارة أخرى .. ثمة طفل ينظر للمستقبل البعيد .. ثمة أنثى تنتظر مسافر وعد أن يعود… وثمة شاب علَّق الأحلام في عنق المساء … ثمة وطن .. ثمة لحن ثمة حكي لا تملّه الأسماع ..، بشيء من المسرّة ننثر كلاماً عذاباً لسمو الأمير بدر عبد المحسن من خلال قصيدة (جدران) ..

المنزل ثلاث جدران .. ورابع..
ما بينهم ضايع .. متشقق وعاري..
ويميزه شباك .. ضيق..
مصبوغ .. بالأحمر الناري..
ومحاصرٍ باسلاك .. علقت بها وردة..
أوراقها المنزل .. والبرعم الأفلاك..

•••
وعلى الجدار الثاني..
وأمثال .. وأغاني
مكتوبة بكسرة فحم..
وصندوق خشب..
مزخرف بغير الذهب .. غير الجواهر..
تحت الكتابه نافر..
فوقه ظلالٍ عريق..
مثل العنيد.. من الجروح..
مثل السيوف اللي مقابضها حديد..
أسرار من ماتوا بعيد..
وما خلفوا حتى الورق..

•••
أما الثالث من الجدران..
معلق عليه صورة .. لإنسان..
من دفتر نفوس .. مكبره..
مدري جفونه مبخره..
ولال تجاعيد خيوط.. دخان
وفي الركن كرسي خيزران..
يجلس عليها الوقت..
وجريدة ٍ عنوانها باهت.. تغفى على الإسمنت..
وفوقها كوب فارغ.. وفتات خبز..
وأصابع ٍ للجوع صفرا مكسره..

•••
ويبقى الجدار الأول..
وهوأعرض الجدران.. وأكثرها وقار..
وهوالوحيد اللي انبنا فـ نور النهار..
بوابته على الطريق الرملي..
صَفت أحجار درجها.. بصبر..
وش كنها.. ؟؟
سنونٍ صفر.. في فمٍ مذهول..
وظلما تشدك للدخول.. تشدك..
وكل ما مسكت اكرة الباب النحاس بيدك..
تلطخت بدم ٍ طري..
الجرح نزفٍ يحتري.. أما الطعون..
وين الطعون.. راحت..
•••
البيت ثلاث جدران.. ورابع..
مالهم طابع.. يجمعهم..
يشبهون أهلهم..
وما صادفوا غير الحياة..