شاكر عبدالعزيز
•• انطلقنا خلال صحافة الزمن الجميل.. في (البلاد) العزيزة كان همي الأول هو التحقيقات الصحفية وبدأتها تحقيقات (ساخنة جداً) أو كما عرف عني في مجلة آخر ساعة المصرية كانت النظافة في مدينة جدة قبل حوالي أربعين سنة تقريبا (متردية) أو دون المستوى وبدأنا (تحقيقات) تلال من القمائم تغطي شوارع جدة، وكان مستشفى الولادة والأطفال في جدة قبل أن يصل إليه الدكتور احمد عبدالله عاشور تسير فيه “الفئران” وكل مرافق المستشفى مهترئة ولم تسلم هذه المناطق من تحقيقاتي اللازمة التي شجعني عليها الدكتور هاشم عبده هاشم، ولكنني فوجئت برئيس التحرير عمنا الأستاذ عبدالمجيد شبكشي يستدعيني وهو يقول لي:”أنت يا أخ شاكر لن تطول فترة بقائك معنا بسبب هذه التحقيقات الساخنة التي تقدمها وعليك أن تراعي ظروف كل بلد فظروف مصر غير ظروفنا في المملكة” ولأن عمنا عبدالمجيد شبكشي يكن لي قدراً من الحب فقد استخدم (قلمه الأحمر) وراح يخفف كثيرا مما اكتبه في التحقيق الصحفي وكلنا يعرف أن الأستاذ عبدالمجيد شبكشي يرحمه الله له خلفية عسكرية فقد كان يوماً ما مديراً لشرطة جدة.
وبدأت اراجع نفسي في هذا المجال إلى أن وجدت استدعاء لي من واحد من أهم المسؤولين في مدينة جدة في ذلك الوقت وهو المهندس محمد سعيد فارسي رئيس بلدية جدة قبل أن تصبح أمانة وكنت قد نشرت تحقيقاً ساخناً عن مستوى النظافة في جدة ولكنه في الحقيقة قابلني بابتسامة عريضة ورفق وشرح لي أنه يعرف (ظروف) مصر أكثر من أهلها وأن ظروف جدة تختلف كثيرا وشرح لي الجهود التي تبذلها بلدية جدة لازالة هذه القمائم المتراكمة وأنها في الواقع ليست “قمامة” ولكنها “نتيجة هدميات” البيوت القديمة وحركة التعمير التي شهدتها جدة في تلك الفترة فالكل هدم البيت القديم واخذ (في تعمير البيت الجديد) ونتائج الهدميات هي التي ملأت الشوارع.
وبدأت تتضح لي ملامح الصورة لما يحدث في بلدية جدة وكان يزاملني في العمل لتغطية أخبار البلدية والمرور في هذا الوقت الزميل محمد الفايدي من عكاظ ثم من اقرأ فيما بعد والصحفي السوداني عبدالله البشير, رحمة الله عليه, وزميل آخر هو (عكاشة طه) تابعنا أخبار البلدية بل وأمر المهندس الفارسي لي وللزميل محمد الفايدي أن نحضر الاجتماع الأسبوعي للجنة التنسيق الرئيسية بجدة والتي يرأسها أسبوعياً المهندس محمد سعيد فارسي والدكتور عبدالمجيد داغستاني الأستاذ بكلية الهندسة وبدأنا نقترب من نشاط البلدية حتى لا ننشر أخبارا مشكوك في صحتها.
أما المهندس محمد سعيد فارسي فهو إنسان طموح وفي اعتقادي أنه هو أول من وضع الجذور الحقيقية لتطوير مدينة جدة ووضع اللبنة الأولى لكورنيش جدة الشمالي بطول حوالى 40 كيلو مترا وبدأ خطوات لكورنيش جدة الجنوبي.هذا المهندس بقدر ما كان له من محبين ومقدرين لما يقوم به من أعمال ونشاط كان له “حساد كثيرون” غير راضين عن طموحاته فقد نقل المهندس الفارسي مكتبه إلى “الشارع العام” وكانت إذا واجهته مشكلة في إحدى الادارات الحكومية أصطحب معه عدداً من معاونيه وذهب إلى المسؤول في مكتبه وحلت المشكلة في نفس لحظة زيارته وشاهدت ذلك وهو يتعامل مع مرور جدة ومع الدكتور ربيع صادق دحلان في الاتصالات ومع الأستاذ عبدالمجيد جمال حريري مدير عام ديوان الخدمة المدنية ومع وزارة الصحة إلا مصلحة المياه والصرف الصحي فلم يكن هناك اتفاق واضح مع المهندس يحيى كوشك.
المهم جدة تحركت وبدأ التشجير يغطي أحياء جدة بفضل مساعده الدكتور حسن حجرة وبدأ التعمير بفضل مساعده المهندس بركات باجنيد.
وأذكر أنه ذهب إلى مشروع الأمير فواز ليتفقد ما تم انجازه ودعا لحفل الاستقبال الخبراء الامريكيين الذين شاركوا في تنفيذ المشروع وبعد الجولة نصبت مأدبة عشاء كبيرة فيها العديد من صواني الأكل الذي هو الكبسة “اللحم والأرز” وجلس الجميع وكنت ضمن الفريق الامريكي وفوجئت بالجميع يأكلون مباشرة بأيديهم ولأنني كنت جديداً انتظرت أن يأتوني (بمعلقة) آكل بها ولكن المعلقة لم تأت وخرجت من المولد بلا حمص كما يقول أهل مصر .. وتلك أيام لا تنسى.
