الدمام-حمود الزهراني
صدر في الشهرالماضي للشاعر والناقد المغربي محمد العناز عن دار النهضة العربية ببيروت الديوان الثالث بعد الديوانين: خطوط الفراشات، جليد منتصف العمر، وقد صدر بعنوان “عَيْنُ نَحَّاتٍ أَعْمَى”؛ والديوان من القطع المتوسط، ويتكون من ثمانين صفحة. وقد زين الغلاف بلوحة للفنانة التشكيلية المقتدرة د.جنان الخليل. ويعد هذا الديوان تجربة شعرية جديدة مميزة تختلف عن التجربة التي طبعت الديوانين السابقين من حيث الموضوع والصياغة الفنية. ويظهر هاجس التجديد هذا في اختيار الشاعر الاشتغال على موضوعة واحدة في جميع قصائد الديوان من دون استثناء مختبرا إمكاناتها التعبيرية. وتتمثل هاته الموضوعة في العين بما تعنيه من إبصار وعمى وقوة وضعف أيضا. ولم يصور الشاعر العين من زاوية رؤية واحدة، بل من خلال تعددها، ومن خلال الأبعاد الرمزية التي تحيل إليها، ومن خلال أوضاع مختلفة.ويحاول الشاعر في أثناء ذلك أن ينفذ إلى طبيعة الواقع الإنساني المتعددة بفعل تعدد الأعين ورؤياتها إليه. لكن جميع العيون التي يتناولها الشاعر بالتصوير الفني هي منظور إليها لا من خلال استقلالها الخاص، وإنما من خلال عينه الخاصة التي لا تكتفي بالقبض على طبيعة الرؤيات وتعددها،وتعدد المرئيات. لا يقف الشاعر في ديوانه عند هذا المسعى، بل يتعداه إلى الكشف عما يختفى وراء العين من معان خفية غير ظاهرة. وجل عناوين القصائد التي اختارها الشاعر تشير إلى تفرد كل واحدة منها بعين خاصة تختلف عن بقية الأعين الأخرى. ومما تجدر الإشارة إليه أيضا هو الكيفية التي يصور بها الشاعر رؤية العين ومرئياتها؛ فهو يعمد إلى تمثيلها من خلال صور شعريةنوعية صادمة؛ بحيث تنتج العين فنيا من خلال أسلوب المفارقة للتعبير عن ازدواجية النظر. كما أن الشاعر لا يجعل العين عينا بصرية مفتوحة على العالم الخارجي الفيزيائي وموضوعاته فقط، بل يجعل منها أيضا عينا داخلية، وذلك بمنحها القدرة على النفاذ إلى وعي الرائي، وإلى أعماقه النفسية، هذا فضلا عن ربط تصوير الرؤية بالزمان والمكان، وما يترتب على هذا الربط من مشاعر التيه والضياع والضيق والخوف.
