الدمام-حمودالزهراني
تراهن الشاعررة القطرية سميرة عبيد على شعرية المفارقات والرفض وبناء احتمالات جديدة للعالم بوصفه إقامة دائمة في البنفسج الذي يصير حالة شعرية في تجربتها سواء أفي “أساور البنفسج” أم في “لحن بأصابع مبتورة” أم في “شجرة في جذع غيمة”، ويبدو أن هذه المفارقات لا تكمن فقط في عتبة هذه العناوين بل تحضر بأشكال متعددة في عناوين القصائد” لؤلؤة قطر، والمشي على رمال متحركة، وحبل المجاز على الأرض، وخلف نافذة طنجة، وبيت العنكبوت، وعدسة، وتحول في الرؤيا، خطوط مربعة، وصوت، وجنون وردة، بنفسجية، وسفر مائي، ورغبة، وغياب، وعطر، وظمأ، عشب، ولوي برايل، وحياة، وموسيقى داخلية، ودورة أخيرة، وضغط، وهالستات، وهناك سحر ما”، بل تحضر أيضا في ثنايا النصوص التي تتأسس على تشكيل مفارق يمتح من مرجعيات لا ترتبط فقط بما هو نصي بل تتجاوزه إلى ما هو فني محض ينفتح بشكل واع على كل الفنون المجاورة، ويأتي ديوانها الأخير الصادر حديثا عن دار أروقة المصرية” شجرة في جذع غيمة” ليكمل مسير هذه التجربة الشعرية ذات النزعة التجريبية في ضوء أفق إبداعي انخرطت فيه الشاعرة سميرة عبيد حاملة معها شجرة وغيمة في قلب مساحات قصيدتها راصدة واقعا بنفسجيا بوصفه بديلا للون قارة يسطو عليها الموت والخراب، والمحو، والتلاشي، والسراب، وباحثة- في الآن نفسه- عن أرض شعرية تتجاوز هيمنة الجسد إلى بلاغة الحياة في جذع غيمة من خلال سمات التخييل الشعري بوساطة نصوص تمتح شعريتها من الإقامة في المكان وجمالياته، ومن الدفقة الشعورية التي تتوزعها داخل متن الديوان كما لو أنها مقطوعات شعرية تتراوح بين الكثافة الشعرية، والامتداد السردي الذي يقيم في النصوص بصفته خاصية مميزة في هذه العمل الشعري؛ مما يجعل الشاعرة مندمجة في عوالمها رافضة حيوات مطفأة من الأعماق؛ حيوات صارت تتقلص تدريجيا بفعل انتزاع الإنسان من جذع الأرض، وترويضه ليصير معلبا في مساحات الألم التي تتبدى في هذا الديوان تعبيرا موضوعيا عن المقاومة من داخل القصيدة بوصفها خلاصا جماليا من الظمأ الذي يجعل الأرض تفقد وزنها الطبيعي من دون أن تكون مدركة لهذا العمى الذي يتهدد وجودها، حيث تحضر ثيمات إنسانية تتأمل عزلة الصحراء لتروي ذاكرة العبور في الذات محكيا يتداخل فيه السيري بالتخييل الذاتي انطلاقا من خاصية القلق الوجودي. وتعد تجربة سميرة عبيد من التجارب الشعرية العربية النسائية التي ترفض أن تتأطر تجربتها في خانة الأدب النسوي؛ لأنها تكتب لتبقى “طفلة صغيرة تجرب خطوطها على جدران الغرفة التي تعاقب أحلامها” وأحلامنا جميعا، حصدت العديد من الجوائز العربية في الكتابة الشعرية والمسرحية، فضلا عن مشاركاتها الوازنة في عدد من الفعاليات والمهرجانات الشعرية العربية والدولية، وترجمت قصائدها إلى الفرنسية، والإنجليزية، وتعد أيضا من العازفات المبدعات على آلة البيانو إلى جانب إسهاماتها العديدة في الحركية الثقافية في دولة قطر.
