شهدت نهاية الأربعينيات من القرن الماضي بروز متاجر المنتجات الحديثة التي كانت بمثابة انقلاب في ثقافة مدينة \"جدة\", فظهرت أنماط تسويقية وفنية جماهيرية حديثة لأول مرة كثقافة الفاترينات، وإعلانات الصحف الجذابة، وغزو المنتجات المستوردة الفاخرة وغيرها.
وفي هذا الإطار كان \"صالح بن حمد\" و\"فتحي سعيد أبو الجدايل\"، أول من افتتحا معرضاً حديثاً للأسطوانات الموسيقية في عمارة الأشراف على شارع الملك \"عبد العزيز\" باسم \"ميلودي\"، كان مواكباً لآخر ما توصلت إليه تقنيات التسويق، فضلاً عن تجربة الأسطوانات قبل شرائها.
كما أسس \"نوري أبو زنادة\"، أول بوتيك للملابس والمنتجات النسائية والرجالية الفاخرة المستوردة من \"سويسرا\" و\"فرنسا\" و\"أمريكا\"، وكان يوّرد الساعات الأوروبية للقصور الملكيّة، ويذكر \"سليمان توفيق\"، وهو طالب، أنه قبل رحلته إلى \"مصر\" زار متجر \"أبو زنادة\" فاشترى \"شركسكين نباتي، وكرافتة سولكة، وقمصان سويسرية، وجزمة بـ 350 ريالاً جلد تمساح شي يهد الحيل…!!\".
هذا إلى جانب افتتاح الشيخ \"محمد علي موصلي\" – وهو تاجر ومقاول ينحدر من أبرز عوائل الطوافة في \"مكة المكرمة\" – أول محل للموبيليا الحديثة, كما أسس \"دبوس\" وشركاه، وهو مستثمر أجنبي من \"لبنان\" مكتبة \"دبوس\" – أولى المكتبات التجارية العصرية في مدينة \"جدة\" – على غرار المكتبات الحديثة في بلاد الأرز وأوروبا، لتبدأ بالاستيراد المنظم للكتب الإفرنجية والصحف والمجلات العربية والأجنبية لأول مرة في تاريخ البلاد, وظلت محلات \"دبوس\" لفترات طويلة مكاناً لتجمع الأهالي بعد صلاة الجمعة لمتابعة مشهد \"ثقافي\" شرقي حالم: حيث كانت تنفذ أحكام القصاص أمام المكتبة فيما يُعرف بين الأهالي بـ ساحة \"مكتبة دبوس\"!
وقد أرغمت المنافسة المحليّة \"دبوس\" على تقليص نشاطه، وبيع متجره ووكالات المجلات الأجنبية لـ \"محمد على خزندار\" عام 1960، وهي المؤسسة التي لعبت أدواراً تنويرية كبرى، ولا تزال قائمة إلى اليوم كمكتبة ووكيل للمجلات والصحف الأجنبية.
من صفحة \"جدة وأيامنا الحلوة\"
