بخيت طالع الزهراني
1
لو أن أحدنا – نحن العرب – قد غاب عن الواقع حوالي ثلاثة أعوام – لأي سبب – ثم أفاق من رقدته , وبدأ يشاهد التلفاز ويقرأ الصحف , محاولا استيعاب كل ما جرى حوله .. فهل يمكن له أن يستوعب كل المتغيرات التي حدثت على مجمل الخريطة العربية ؟
2
أتوقع – إن كان عاقلا – فإن سيصاب بلوثة عقلية لا محالة , وسيكون نزيلا لواحد من المصحات النفسية , لأن ما حدث من ” المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ” أكبر من المتغيرات نفسها , بحيث لا يمكن له أن يستوعب كل تلك الاحداث الدراماتيكية التي تسارعت خطواتها بشكل خاطف ومدهش , قلّ أن يحدث مثلها في أي مكان من العالم .
3
أما ان كان ” خفيفاً ” فسينضم حتما إلى الـ ” القطيع ” ويتلبس بسلوكهم .. ويظل يصرخ بكل ما أوتي من قوة , بحيث إما أن يطبّل مع المطبلين , أو يعارض مع المعارضين , من غير أن يتأكد من السبب , ومن غير قناعة بالتأكيد .
4
وليس مستبعدا أن تتداعى الى جمجمته أبيات شعر , من تلك التي كان قد نظمها الشاعر السوري البعثي – سليمان العيسى …..
من المحيطِ الهادرِ
إلى الخليجِ الثائرِ
لبيكَ .. عبد الناصر
تفَجّري يا أرضُ باللّهَبْ
وأشرقي يا دولة العرب !
مواكباً .. مواكباً نسير كالرعود
5
وهكذا نحن العرب دائما انفعاليون , عاطفيون , وسريعو الحركة , لا لشيء – وإنما نتحرك للحركة نفسها , بمعنى اننا لا نتغير بالمعنى الاستراتيجي للتغيير , ولكننا ” ننفعل ” بدون هدى .. لنجد أن من كان منا في سفح الجبل قبل الانفعال , قد هوى دركات كثيرة حتى استقر في قاع الوادي .
6
ثورة العرب – وثوارها .. بدءاً بمكان الشرارة الأولى سيدي بو زيد في الجنوب التونسي يوم 17 ديسمبر 2010 عندما احرق محمد البوعزيزي نفسه , ثم تدحرجت الحالة ككرة ثلج ازدادت سماكة إلى مصر وليبيا فسوريا واليمن , ولا ننسى العراق , وبدأت معها صدمة دعاة ” نظرية الفوضى الخلاقة ” .. أقول ثورة العرب لم يتبق منها إلى الآن سوى ” ثلاث عجاف ” .
7
وأظن أن من يقرأ الواقع الحالي , فسيقول إن ما ميز ما يسمى (المد الثوري العربي) أنه كان ضجيجا وفوضى .. انفلاتا ورعونة .. ومصداق ذلك أنه – حتى اللحظة – لم يتبق من النتائج والمحصلات سوى … الدمار والخطف , وضياع الأمن وتردي الاقتصاد , وحالة غير مسبوقة من الصراع السياسي بين كبار القوم , أدى إلى تعميق الخلاف بين أخوة البلد الواحد , وجعل الناس هناك نهبا للهموم والوجع والخوف على النفس والعرض والمال .
8
ثمة من يقول جازما – في قراءة للمستقبل – وبلغة التحدي .. ( أراهن إن عادت البلاد التي ثارت إلى المربع الأول .. فقط المربع الأول بعد عشر سنوات من الآن ) .. لكن ماذا لو ثار معترض على هذه القراءة , وقال بلغة حادة : ولكنه الظلم يا سيدي .. الظلم هو من دفع أولئك إلى الثورة .
9
ولكن شيخا وقورا على ناصية شارع عربي .. لو سأله سائل في حالة هدوء ومن غير تشنج .. فلربما يجيء جواب ذلك الشيخ : ولكن (الفاتورة ) كانت باهظة – باهظة جدا – بل وأكبر من كل (الحسابات العاطفية ) التي قام عليها الرهان أصلا .
