الأرشيف النادي

تحقيق لم يتم

منذُ فترة وهاجس التحقيق الصحفي لا يكادُ يغادر ذاكرتي فترة وجيزة, فلا زلت أتصور مدرج الجامعة والأستاذة الكريمة تشحذ هممنا بمطالبتنا بإعداد تحقيقات صحفية من الميدان، جددت تلك التداعيات هاتف من زميلتي تُخبرني بأن الميدان المقابل لدارنا مزدحماً بالسيارات وبالبشر لوجود جريمة سطو مسلح على المصرف المجاور للميدان، فوجدتها فرصة سانحة لأن ألملم أوراقي وأحمل كاميرتي مهرولة إلى ذلك الميدان، فقد حانت الفرصة لإعداد تحقيق صحفي ميداني على الطبيعة . هالتني في البداية تلك الحشود من رجال الأمن والمتجمهرين وإطلاق الرصاص، فالموقف رهيب واقتحام تلك الصفوف من فتاة يُعد معجزة وظاهرة غير مألوفة، حاولت أن أجد لنفسي مسالك سهله تجعلني قريبة من الحدث وتفتح لكاميرتي الشهية التهام أكثر من صورة .
أنا بين متناقضين سعادة بأن اختبر نفسي وأسعد استاذتي بتحقيق عله يشفع لي بأن أحقق تميزاً يحسب لي مستقبلاً وبين خوف من دخول معترك لا حول لي فيه ولا قوة ولا تجربة سابقة، اقتربت من أحد المتجمهرين وسألته : مالقصة ؟ فأجابني : جريمة سطو مسلح، ألا ترين القتلة ؟ ألا تسمعين الرصاص ؟ ماذا آتى بك هنا، وكأني به يريد أن يكمل ( أيتها المسكينة )
ياللهول قتلى و رصاص ومسكينة تريد أن تتوغل، تقدمت بشق الأنفس حريصة على ألا التحم بأحد واقتربتُ من رجل أمن برتبة عالية وسألته ايضاً وكأنني لا أعلم، مالقصة ؟ فأجابني مبتسماً : اتخترقين كل هذه الجموع وتسألين مالقصة ؟ وحينما شاهد الكاميرا بيدي استرسل قائلاً : لو سمحتي أين التصريح ؟ عندها تلعثمتُ وحاولتُ أن أشرح له الوضع بأنني طالبة بالجامعة قسم الإعلام فأجابني بلطف : لو سمحتي ممنوع التصوير !
توسلت وأقسمتُ له أنني نسيت بطاقة الجامعة في المنزل لأن أحدى زميلاتي هاتفتني فتركت كل شيء وجئت مهرولة وهذا البحث ماهو إلا تكليف ميداني لا علاقة له بالنشر ورجوته أن يسمح لي بالتصوير فما كان منه إلا أن وافق .
تقدمتُ إلى أن واجهتُ المصرف ( موقع الجريمة ) وهالني منظر الدماء والجثث وتناثر النقود الورقية هنا وهناك من خلال حُزم منظمه، تقدم إلي حينها وجه مألوف ولكن من هول الفاجعة لم أتذكره، وبينما أنا التقط الصور يمنة ويسرى مسك بيدي وقال لي : ماذا تفعلين ورحت أعيد له تلك الأسطوانة التي أسمعتها رجل الأمن من قبل فتبسم هو الأخر ولكنه تبسماً بقهقه وصدمني بقوله على رسلك أيتها الأخت فنحن نصور مشاهد من مسلسل تلفزيوني سترينه بكل تفاصيله على الشاشة الصغيرة قريباً بأذن الله.
عندها تذكرت ملامح ذلك الشخص وأنه المخرج الشهير و استرجعت ابتسامة الضابط وأدركت أنني كنت صيداً سهلاً من زميلتي لما يشبه الكاميرا الخفية .
ميساء صالح
جدة – [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *