يحار المرء في تناول شخصيته لتعدد جوانبها ولكونه ضرب في كل مجال بسهم ..وكانت حظوظه من النجاح أكثر .. فهو رجل بدأ سُلمه العملي بخُطى مدروسة ..تبدى فيها حرصه على أن تكون متقدمة في التفكير الاستشرافي .. وغير مسبوقة في واقع المحيط الذي نشأ فيه وعمل من أجله .. واضعاً نُصب عينيه أن يكون جوهر تجارته ما ينفع الناس.. وقد تجلى ذلك في الطموح الذي كان يملأ عليه نفسه في الانتقال من تجارة الأصبغة والحرير إلى استيراد السمن النباتي إلى صناعة الدواجن إلى التطوير العمراني للمناطق العشوائية في أشرف البقاع بجوار المسجد الحرام والذي سجله في لمحات من سيرة حياته التي نشرتها (البلاد) ..
ولكني أريد أن أتوقف عند نقطتين فقط، وهما مشروع تشجير عرفات الخيري.. وهو مشروع خَصص له مئات الملايين للصرف عليه والعناية به لتوفير مناخ مقبول للحجاج في يوم الحج الأكبر على إمتداد وادي عرفات تحت أشعة الشمس الحارقة.. وبلغ مجموع الأشجار التي تم زراعتها على إمتداد 32 عاماً مضت حتى الآن حوالي 300 ألف شجرة (نيم) ذات الظلال الوارفة والملائمة لطبيعة التربة والمناخ في المشاعر المقدسة.. وقد عمل ذلك دون أن يقول شيئاً عنه، وأزيد بأنه أنشأ وقفاً للصرف على هذه الأشجار التي حاول البعض التخلص منها، ورافق هذا الوقف منظومة متكاملة من الخدمات المساندة تشمل تمديد شبكات الري الأتوماتيكية للأشجار مع الصيانة الدائمة لها على مدار الساعة طوال العام.. إلى جانب تركيب آلاف الأعمدة التي تحتوي رشاشات رذاذيه في أماكن التشجير وممرات المشاة وحول جبل الرحمة لتلطيف الجو وخفض درجات الحرارة من 48 درجة إلى 38 درجة وزيادة معدل الرطوبة من 15-20% وبالتالي خفض معدلات الإصابة بضربات الشمس إلى حالات معدودة.. بالإضافة إلى مشروعات مياه الشرب المبردة والمعقمة لسقيا الحجاج على طول طرق المشاة من عرفات إلى منى والتي احتوت حوالي 15 ألف مشرب .
هذه واحدة ..
الثانية :
مركز فقيه للأبحاث الذي قام بتأسيسه كأول مؤسسة بحثية استشارية لا ربحية، لتحقيق المقاصد الصحيحة لمفهوم العمل الخيري الذي يرى أنه غير مقصور على إخراج الصدقات ومد يد العون للمحتاجين .. لأن حاجة الناس إلى مشروع ذي عائد مستديم سوف يرفع عنهم جانباً من المعاناة اليومية، كما يذلل أمامهم بعض صعوبات الحياة التي قد تكون أهم من الصدقات بكثير.
وهذا المركز يعتبر من أوائل المراكز البحثية التي قامت بإعداد دراسات عديدة لمشاريع وأعمال كثيرة، وهناك دراسة قدمها المركز لبعض المهتمين عن الحج وتتعلق بمشروع المسارات المتحركة بين المشاعر وأنا أتابع ذلك العرض المبهر لها والمُكلِف بكل تأكيد.. تساءلت كم هو رائع هذا العمل الوطني الذي قام به المركز الذي يتكئ (صاحبه) على تحقيق ما هو نافع ومفيد للوطن، مهما كلفه هذا من جهد غير عادي, بل ومال أيضاً غير عادي .
لقد شاهدنا عملاً مبهراً ومتقناً، لا بد من الاستفادة منه من أجل (حج) ناجح بإذن الله، وهذا العمل هو دلالة على أن هناك من المواطنين ما يشكل الوطن في نفوسهم مرتكزاً غالياً ينطلقون منه إلى بلوغ (السماكين) وهو في تحركهم البوصلة التي نحوها يتجهون في شغلهم الشاغل، وإلاّ ماذا يعني وجود هذا المركز المتخصص في البحث والتنقيب عن كل ما هو مفيد للوطن والمواطنين من مواطن له نظرته الصائبة ..؟
إن مركز فقيه للأبحاث له العديد من الدراسات في كثير من مناح الحياة، وهي أبحاث تدل على صدق المواطنة لدى مؤسسه الذي كان في إمكانه أن يصرف وقته وماله في نواحٍ أخرى ليس فيها هذا الحرص على تطوير –المجتمع- من خلال توفير هذه الخدمات البحثية .
وقد نجح المركز في تطبيق تقنية تخفيض استهلاك المياه بما نسبته 40% من خلال تجميع مياه أحواض الغسيل والأدشاش وإعادة ضخها بعد تنقيتها في صناديق الطرد ( السيفونات)، وتم تطبيق هذه التقنية –لأول مرة- في مشروع شركة مكة للإنشاء والتعمير وكذلك في مشروع جبل عمر للتطوير، وتبنت الدولة هذه التقنية وألزمت بها أمانات المدن كافة.
وهناك العديد من الدراسات الأبحاث التي قدمها المركز مثل :بحث في إنتاج وحدات لإستخلاص ماء عذب من رطوبة الهواء الجوي, وبحث في موارد المياه الجوفية بمنطقة مكة المكرمة، وبحث في تسرب المياه في الشبكة العامة لمكة المكرمة، وبحث في إدارة الأوقاف على أسس إقتصادية بنظام الشركات، ودراسة لإمكانات التنمية الإجتماعية والإقتصادية في مركزي الزيما والمضيق بمنطقة مكة المكرمة، ودراسة عن سياسة الإغراق لصادرات الدواجن إلى المملكة العربية السعودية ، ودراسة عن حجم الإعانات التي تقدمها الدول الأوروبية لمساعدة مصدري الدواجن فيها، ودراسة لإنشاء معرض دائم لصناعات الدول الإسلامية في مكة المكرمة.
كما بحث المركز الوسائل الطبيعية لتبريد الفراغات الخارجية في المشاعر المقدسة وأيضاً بحث تطوير مشروع مكافحة الحريق بمنطقة منى، وغير ذلك من الدراسات والأبحاث التي قام بها المركز.
وكل ذلك ليس له دلالة عندي.. إلاّ صدق المواطنة لدى مؤسس هذا المركز والحريص على ما يقوم به من أعمال جليلة لخدمة هذا الوطن ومواطنيه بكل أريحية وبكل تفانٍ واكبار .
أنه الهم الوطني الذي يشغل كل مساحات نفسية من حرص على إيجاد هذا المركز.. وهو أحد رجالات بلادنا الذين يفترش الوطن في أعماقهم كل المساحات.. ومن الحريصين على أن تكون استثماراتهم داخل ربوع هذا الوطن.. وممن لا ينظرون إلى الإستثمار خارجه أبداً.. على الرغم من وجود الكثيرين من رجالات الأعمال الذين يذهبون برؤوس أموالهم إلى خارج الوطن سواء كان ذلك ضمن أسهم في بنوك أو شركات أو حتى مشاريع كبيرة مع الأسف الشديد .
بقي أن أذكر، وأنا أعرف أنني سوف أغضبه بهذا الإفصاح لكونه يريده بينه وبين خالقه، لكن طالما طُرح هذا الأمر في وسائل الاتصال المختلفة، فأقول وبالله استعين أن أرباح تلك المشاريع التي على كورنيش جدة تحت مسمى (مجموعة فقيه للمشاريع السياحية) من مداخيل تشغيلها بعد دفع المصاريف والرواتب والصيانة يتم صرفها لوجه الله تعالى، في أوجه الخير المختلفة، ولا يدخل جيبه منها شيئاً فقد جعل منها وقفاً خيرياً لوجه الله تعالى.. أقول هذا وأنا متخذاً من الآية الكريمة :(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون )(البقرة 274).
متخذاً منها نبراساً هادياً محرضاً على فعل الخير سراً وعلانية فلا مندوحة في ذلك أبداً .
فله التحية والإكبار على كل ذلك.
