الأرشيف محليات

«المساعد» بين هؤلاء

(بين هؤلاء عشت) كتاب للأستاذ أحمد حامد المساعد من إصدرات الرواد يقع في 165 صفحة من القطع المتوسط .. يمثل سيرة ذاتية للمؤلف . جميلة في طرحها وطريقة سردها وأسلوب بنائها . تناولت جانبا من التوثيق الوصفي لنمط الحياة الاجتماعية في القرية الجنوبية بأسلوب أدبي رائع .. كما قدم إضاءات حول تاريخ الصحافة والطباعة في بلادنا من خلال عمله وتعامله مع عدد من ألمع الشخصيات الأدبية والثقافية في المملكة . وقد تكون أقرب للدراسات الأنثربولوجية في بعض أجزائها الأولى بالتقاطه الجيد لبعض المواقف في بناء متماسك يعطي بعدا لمهارة المؤلف في تجاوز السرد العادي والوصف التقريري إلى الطرح الإثرائي . فبقدر ما تكون مذكرات تصبح في نسقها أقرب إلى الأطروحات الأدبية . وهو غير مستغرب منه بحكم علاقته بالأدب شاعرا وكاتبا ومحللا .
قام برصد الأحداث وتوثيقها وقدم وصفا دقيقا لبعض عادات وتقاليد ونشاطات سكان منطقة الباحة بما يملكه من عمق معرفي ورصيد ثقافي , موظفا المثل والقصيدة الشعبية لإحكام نسيج الكتابة .. والتي كشفت عصامية ذلك اليتيم الذي قست عليه الظروف فأصبح وحيدا أو شبه وحيد بعد وفاة ذويه .. ليدخل معترك الحياة العملية مبكرا , مواجها الحياة الصعبة بسلاح الطموح فقط . ورغم قلة ذات اليد , إلا أنه بنى علاقة مبكرة وثيقة مع الحرف قارئا نهما وخطاطا وطابعا وكاتبا وشاعرا .
حيث تنمت هذه العلاقة لتتجسر بروابط قوية مع الأدباء والكتاب الذين عاش بينهم ردحا من الزمن وكان عنوان السيرة يومي إلى ذلك , لما لهم من مكانة سامقة ورفيعة في مجال الفكر والثقافة في بلادنا , وما حققه بعضهم من مناصب رفيعة على مستوى الدولة , وكذلك علاقته التي نشأت فيما بعد مع بعض الأمراء والوزراء . وقد أظهرت السيرة القدر العالي من الوفاء لمن يستحقه فعلا بالإشارة إليه بالإسم , فإلماحته لذلك الرجل الطيب ’’الدوقي’’ رحمه الله والذي قدم له مبلغا من المال هي في الواقع إشادة من جانبه بالموقف النبيل ورسالة للموسرين لتلمس احتياجات الأيتام والفقراء والمعوزين . فكان ذلك المبلغ – الذي أعلن صاحبه أنه من حق الله منعا للحرج – عونا له في شراء مستلزمات الدراسة ومزاولة التجارة البسيطة . وما أكثر المحتاجين الذين يفترض أن تصل إليهم معونات الأثرياء والقادرين , والجزاء عند الله أوفى وأبقى .
والسيرة تشير بكثير من الفخر لنمط الصداقة المثالية مع أحد الكرام أشار إليه كثيرا وفي مواقف متعددة وأعني به علي السلوك رحمه الله . وهو يعرض ذلك وفاء في زمن عز فيه الوفاء , في زمن الجحود والنكران من الذين لا يسلكون طريقا لرد الجميل لمن أسداه إليهم من قبل .
وهناك محطات ومواقف مؤلمة لم يتجاوزها كتب عنها بألم واضح والتي تظهر إمعان بعض الأشخاص لمضايقة الآخرين واستخدام أصحاب الصلاحية صلاحياتهم باتخاذ القرارات المجحفة ضد من يختلفون معه رغم نجاحهم ونجاح أعمالهم .وهي تعطي دلالة لهذا الأسلوب الرخيص الذي يمثل صنفا سيئا من البشر .
وكثيرا ما يحدث في الإدارات التسلطية بما يفرزه من انعكاسات سلبية على الشأن العام عموما . والحقيقة إذا غابت فإنها ستظهر وتظهر معها فداحة الخطأ. من أولئك الناس وهو أسلوب تنبيهي لمن يفكر بمثل ذلك , فالزمن كشاف الحقائق ولو بعد حين .
وقد ختم المؤلف تلك السيرة المدهشة برسالة شخصية وردت إليه من الروائي الكبير عبد العزيز مشري يرحمه الله , يشيد فيها بطروحات المساعد التي كان يتابعها في مجلة الباحة ويستحثه لمواصلة الجهد وإخراجه للقراء وحفظه للأجيال حرصا على الثوثيق الواعي لها.
’’بين هؤلاء عشت’’ سيرة ومسيرة تناولت أعلام الفكر في بلادنا ومنهم محمد حسين زيدان ومحمد حسن العواد وعبد القدوس الأنصاري وأبو تراب الظاهري وعبد الله جفري وعبد الفتاح أبو مدين وعلي وعثمان حافظ والأصفهاني والسلوك وأحمد محمد محمود وأمين مدني وعي عمر جابر وطاهر زمخشري ومحمد العلي وأسامة السباعي وعبد الله الحصين وعبد الله عريف وصالح جمال وعبد العزيز الرفاعي وعبد الغني قستي وعلي العمير ومحمد عمر توفيق وحسين قزاز ويحيى با جنيد وأحمد صلاح جمجوم وأحمد زكي يماني ومحمد علاقي وغيرهم . وأراها جديرة بالقراءة والاقتناء .
عبد الناصر الكرت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *