حاوره : محمد بن حامد الجحدلي
هكذا هو كما عرفته منذ أكثر من ثلاثة عقود زمنية مضت ، حينما كان أحد أبرز قيادات العمل التربوي ، بشهادة الكثير ممن عرفوه في ذلك الميدان ، وإن كانت معرفتي به متأخرة إلى حد ما ، إلاّ أنه أمتطى صهوة الأدب في مجال هو أحد فرسانه ، وفق تصنيف النقاد وكتاب القصة ، كان لقائي به مصادفة في صيف عام 1407هـ ، وها أنا أقدمه لقراء (ثقافة البلاد ) التي كانت إحدى انطلاقته الأدبية ، بعد أن تعمدت حتى اللحظة في تأخري لتقديمه ، متعمداً بغية مزيدا من الاستمتاع بمشاركة المتابعين له من القراء والنقاد ، ومن عرفوه في صفحات الثقافة قاصًا وأديبًا ، ألاّ إنه قليل الظهور وحريص بعدم الاكتراث بالأضواء التي أبهرت العديد ممن يسعون إليها جريًا ، حاولت أن اكتشف شيئا من ذاك وتلك الأسباب ؟ التي كوَّنت منه كاريزما خاصة ، وفلسفة لم يدَّعِيهَا وإنما وُصف بها ، وإن لم يعترف بذلك ؟ ولعلي هنا استعين بمتابعي محطات هذا الحوار في اكتشاف ما لم أتمكن من اكتشافه ؟ فمع ضيف هذا اللقاء !!
o في البدء دعنا نستفتح لقاءنا هذا بالبدايات والزمن الجميل
غالبا ما تكون البدايات مرتبطة بالزمن الجميل ، وذكريات الصبا والشباب ، وقبلها مرحلة النقاء وهي مرحلة الطفولة ، التي تكونت من خلالها شخصية محمد علي الشيخ ، ولدت في قريتي ( أم الجرم ) إحدى قرى منطقة مكة المكرمة ، وقريتي لا تختلف هي الأخرى – مثلي أنا – عن بقية القرى المنزوية في ظل الجبال , والرابضة على الأودية , غير أن المشيئة التي تأتي , وكنت تشاؤها , وتجهل أوانها , غالبا ما تكون هي ذاتها تحولاً في سير الأماكن و الأشخاص .
o وهل طاب بك المقام في تلك القرية كثيرا ؟
كما يبدو لي فأنا من عشاق الترحال منذ وقت مبكر ، فقد هجرت قريتي تلك بالرغم من ارتباطي بها روحيا وذلك بغرض الدراسة
، ثم العمل بعد التخرج في غمار التربية ، والذي تتطلب أدبيات الوظيفة إنه لابد من السكن قريبا من مقر العمل ، فكانت
محطتي مدينة جدة حيث فضاء الكلمة واتساع آفاق الثقافة ، هذه المدينة التي فتحت ذراعيها على كل جديد كما هو اسمها
اللامع ، ومع هذا الانفتاح وجدتها أكثر تمسكا بطابعها الاجتماعي وتواصلها العائلي وعاداتها وتقاليدها ، وكثيرٌ من أخلاقيات
وتسامح أهلها .
o وماذا أيضا تستطيع أن تضيفه عن تلك البدايات ؟
لم يعد من النوادر أن تسمع لمن في مثل سني قرأ لـ المتنبي و أبو العلاء و أبو العتاهية ، وهو لا يزال في الصف الخامس الابتدائي
، فإن فعل فأغلب الظن أنه قرأ عناوين الدواوين فقط في المكتبة المدرسية ، ولم يعد من النوادر أن يؤكد فنان بأنه بدأ الغناء من
طفولته الباكرة بشهادة أمه ، كان بكاؤك منغَّماً .. كأنه يغني !! فإن فعل فأغلب الظن أنه يعاني جوعا عوضه فيما بعد بالغناء ،
أما المنزلق الثانوي فهو أن يسطو الحديث عن البدايات المكونة للممسك الثقافي ، على الحديث عن مكونات الشخصية ،
والتدخلات والتعالقات وما بينها ، واشد حالاته وضوحا عندما يكون المبدع مخترعا أو رجل أعمال ، ولست من هؤلاء.
o هل من حدث ما … يُعد منعطفا تاريخيا في ذاكرة هذه القرية ؟
كان صاحب المنعطف التاريخي في ذاكرة القرية هو المؤرخ و الأديب الشيخ محمد على مغربي رحمه الله ، ولعل الرجل احتفظ
بسجل أعماله الخيرَّة كعادة الباذلين في غير منّه وهم قله , ولكن نافذة الحديث بقيت مفتوحة جوف الكاتب ، وهو أحد شهود
تاريخ هذا الرجل , فلم نعرف عنه إعلاما أو إعلانا لذكرى بعيده زمانا و مكانا كانت منعطفا في تاريخ القرية , وكان المعهود
والمتعارف أن يكون رافد فخر ( يعلنه ويعلم به ) لهذا الرجل الذي يحفل تاريخه بالكثير من الانجازات , لكنه الصمت الذي
ألزم به الرجل نفسه , ليبقى العمل خالصا يرتضي به الثواب , حينما لا يكون الكلام كلاما ولا الصمت صمتا.
o حدثنا عن ذلك المنعطف التاريخي ؟
وضع الشيخ محمد علي مغربي رحمه الله ، الحجر الثاني ( مدرسه خيريه تلتزم بالمناهج الرسمية ) بعد أن وضع الشيخ عبد
الصمد بن محيي الدين الحجر الأول ( الكتّاب ) لعمليه تنويرية ، لا تزال حتى الآن ثرية في اختيارها ، راسية كجبال القرية ،
بداية كانت هذه المدرسة , من القش على هيئة بيوت القرية آنذاك ، وعلى هيئتها كانت عندما زارها صاحب الفضل فيها .
أذكر ذلك اليوم المشهود الذي خرج فيه أهل القرية فرادى وجماعات , كان النهار في بواكيره لم تتوهج شمسه بعد , تولى المعلم (
الفقيه ) التصنيف والتنظيم في مكان مكشوف في الجانب الغربي من المدرسة .
o وهل كان هناك برنامجا خاصا للشيخ محمد علي مغربي أثناء زياراته المتكررة للقرية ؟
كان على الشيخ محمد علي مغربي ( ضيف القرية ) أن يأتي باكرا ، ويعود باكرا مجانبة للحر الشديد , عليه , وعلى مستقبيله
, ومخافة فيما أظن من التورط في الكرم المشخصن , حيث يصعب التنازل عن شرف الضيافة لأحد البيوت عن البيوت الأخرى ,
لأنها تدخل في حساب مقامات الاجتماع و التاريخ و القصيد ، كان الوقت ( ضحى ) وقمت خطيبا : (هانحن في عشه والشمس
تخبطنا خبط عشواء …) هذا هو المقطع الوحيد , الذي لا يزال زملائي في الدراسة يتندرون به , كلما جمعتنا مناسبة أو مصادفة.
o كيف هو النسيج الاجتماعي الثقافي لأبناء القرية من جيلكم في تلك الفترة المبكرة ؟
ففي القرية تتساوى الرؤوس داخل منظومة قيمية ، غير مكتوبة ولكل فرد حق الكلام و الاحتجاج والقبول والرفض ، أزعم أن
الأمر في جوهره شكلا من أشكال الديمقراطية !! وفيما بعد ، أصبحت المدرسة أول بناء إسمنتي في قرية أم الجرم ، ويتكون من أربع غرف على شكل مستطيل مزود بدورة مياه ، وقد كانت إلى وقت قريب أحد معالم هذه القرية , كما أنها تعتبر أحد رموز
نهضتها … وعاملا فاعلا في تكوين أهلها الثقافي ، إن لم أقل في ثقافتي شخصيا , وهي كذلك بالتأكيد .
o هل توقفت تلك المبادرات الإصلاحية كالتي بدأها الشيخ محمد علي مغربي ؟
وفي عام 1383هـ تأسست أول مدرسه حكوميه بأم الجرم ، وبذلك توقفت مرحلة من تاريخ صُنع بكفاءة , بفعل مبادرات
اصطلاحيه ، تعجب عند استعراضها من مدى أفق أولئك الرجال , وسلمت منجزها للقادمين لكنها بقيت حيه في الذاكرة ، ولم
ينقطع حبلها الموصول ، من عمق العتمة إلى مشارف النور ، أما أنا فقد أكملت المرحلة الابتدائية ، وتحديد الصف السادس في
محافظة خليص ، حيث تأسست أول مدرسه ابتدائية عام 1374هـ ، وكان قد سبقني أخي الأكبر , وتزوج هناك بابنة خاله
الشيخ حسن بن عبد الصمد .
o هل هذه التحولات خاصة بتلك القرية فقط أم إنها اكتست صفة العموم لبقية القرى المجاورة ؟
أحسب أن هذه التحولات ملكية لكل أبناء القرية , وأحسب أنها توزعت على أمكنه أخرى , وليس فيها ما اختص بحيازته ,
غير أنها مشت في غير ما أحسب , وربما مشت فيما قُدر لها , لا اذكر بالتحديد متى رأيت مجلة العربي مع معلم الرياضيات ,
و أخاله الآن لم يغب عني ذاكرتي ، على امتداد هذه السنوات داخل الفصل , بين جدران أتخيل لمعانها وامتداداتها , حتى
تحولت إلى ما يشبه الإدراك .
o وماذا عن مصادر المعرفة التي قد تقع بين يديكم مع الأقران من خارج دائرة مجتمع القرية ؟
تلك هي الإطلالة على عالم مختلف , مثلها مثل شغف الحب الأول , لا تكف عنه ولا تسأله عن مداه , ويبقى عالقا كأنما هو
طرف حسي , غير أن مجلة العربي بقيت في متناول يدي , وقبلت بعد ممانعة كتاب ( بلوغ المرام ) ولا أذكر أن كنت قرأتها أو
احتفظت بها ، هذه التجربة ربما وجهتني إلى البحث عن مصادر أخرى ، لتواصلي مع عالم المعرفة الجديد .
o بودنا أن نستمع منكم لبعض تقاليد المجتمع التي تختزنها ذاكرتكم وتمارسها السيدات آنذاك ؟
كانت قريتي مكان استيطان لممارسات خاصة , على المتواتر في الشأن العام بكل ملابساته , كانت أمي وهي زيلعية تنتمي إلى
العقيليين , تقيم ما تسميه هي ( قهوة المساء ) , أذكر هذا الطقس المجلَّل بدخان كثيف !! وإن كان الوقت بعد صلاة المغرب ,
فأني لا أذكر الأيام الذي تقام فيه تلك الاحتفالية , ولا سبيل إلى معرفته الآن , فقد انقطع الدليل بموت والدتي عام 1432هـ
، ويبقى السؤال كيف تسللت هذه الطريقة من الزمن النائي إلى المكان النائي , المتناهي في الطبيعة , المحرَّر من كل ثقل .
o كيف هي علاقتك بوالدتك وهل كانت علاقة تسودها الحميمة والإفراط العاطفي ؟
والدتي لم تميزني بعناية ورعاية خاصة ، كانت على شاكلة والدها عبد الصمد بن محي الدين ، مشغولة بهموم الناس أصحاب
الحاجات من المرضى , والمصابين وذي الفاقة , ما استمتعت به كانت روايات أبي عن فتوحات الملك عبد العزيز طيب الله ثراه
، واستتباب الأمن والأمان الذي شعر به الناس ، وروايته عن مرض الجدري الذي فتك بالقرية ، حتى عجز الأهالي عن دفن
موتاهم ، وروايته عن جدي عبد الله بن عبد الشفيع الذي استطاع أن يخفف من روعة أهالي القرية ، وكان خالي ( الشيخ عبد
السلام بن عبد الصمد ) عاقد الأنكحة ومفتي القرية وإمامها , ومرجعها في القضايا الأسرية والشخصية.
o من تتذكر من الأسماء التي كانت تملأ حيزا من نشاط وحيوية القرية ؟
استقطبت قريتي عدد من الوافدين جعلوا من المهن الحرفية والمشاعة والمجانية صنائع ربحية ، فـ ( ابن مأوي ) حافظا للشعر
يرويه بمقابل ، و( حسين الهندي ) مارس الختان و الحلاقة بأجر ومعلوم ، ( العنبوسي ) أقام أول مقهى شغلت فراغا واسعا ,
لشرائح اجتماعيه متنوعة يتجمعون وأنا منهم , حول (سائقي الشاحنات) فتسرد الحكايات وإفرازات المدن . تلك أسماء كانت
وما تزال في ذاكرة القرية , وتكلم هي تجليات التعانق والتعالق بين مكة المكرمة وأطرافها من القرى كما هي مسقط رأسي.
o المحطة التي توقف عندها القاص محمد على الشيخ ؟
كانت محافظة رابغ هي المحطة الأخيرة بصحبة أخي ( عبد العالي ) توقف فيها جزء من حياتي , لم تتبدل صورته التي كان
عليها ، كنت في الصف الأول المتوسط ، وكان هو في الصف الأول من معهد إعداد المعلمين الابتدائي ، وفي يوم ممطر سعيد والنهار
بأوله , غرق في السيل وهو السباح الواثق , تاركا زوجة ثكلى , وطفلا رضيعا , ووالدين مفجوعين , و أخا وحيدا مغتربا .
o وكيف تجاوزت تلك المحطة ؟
استأنفت الحياة بشكلها السطحي ، وحظيت بعطف من زملائي , كان اسبقهم زميلا بقي محفورا في الذاكرة (محمد سعيد
باكلكا) ، أهداني مجموعه من الكتب , منها : ( ألف ليله وليله – الزير سالم – عنترة بن شداد – وسيرة سيدنا علي بن أبي
طالب كرم الله وجهه )
o وهل من دعما معنويا ساعدك على ذلك المنعطف ؟
في الصف الثاني المتوسط , كلفنا مدرس اللغة العربية بكتابة موضوع إنشاء:( بنى رجل ثري مدرسه , ومسجدا , ومستشفى في القرية , فما تأثير ذلك عليها ) ؟ في الحصة التالية طلب مني الوقوف أمام الطلاب ” محمد ستكون كاتبا في يوم من الأيام ” لا
يزال الأستاذ علي دويدان – مصري الجنسية – ثريا في ذهني مهماز لا يكف عن الوخز ، أزعم أنه سمَّاني – منذ ذاك – اسما لا أخطئه ظاهرا و باطنا .
o وماذا بعد ؟
في تلك الأثناء تعرفت على شاب يدعى ( عبد الله العزبي ) تلك هي صفته واسمه ابن رجل ميسور , كان قد أنهى الثانوية بجدة
، ينعم بحياة مخملية … ويعيشها كما توفرت له ، أحيا زاوية مهجورة لم أكن أعرف أنها بهذا السخاء ، مدنٌ محمولة على الأنهار والبحار , وحكايات كألف ليله وليله , وموائد , ومواعد , ويوم في دفاتر العاشقين لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم .
o وهل مارست الفعل الثقافي مبكرا ؟
تزوجت ابنة خالي ( الشيخ حسن عبد الصمد ) بعد الكفاءة المتوسطة ، وأصبحت ( أبو سامي ) في نهاية السنة الأولى من المعهد
الثانوي بجدة ، لذا قادتني الظروف أثناء دراستي إلى العمل بمكتبة خزام ، وكانت مكتبة خزام ، أشبه ما تكون بالمكتبة
المتخصصة في هذا المجال ، تستقبل النتاج الفكري , وتتيح لي حرية الاطلاع بمجانية وغزارة .
o وماذا عن البيئة الثقافية آنذاك ؟
في العام 1387هـ , عام تخرجي من المعهد , كانت عملية تطعيم التعليم بالخبرات الوافدة لا تزال سياسة تعليمية فرضها المد التعليمي , هذه الضرورة جعلت المدارس شبيهة بقاعات اجتماع مفتوحة , تحتضن تخصصات متعددة , وتجارب متنوعة ,
وجنسيات مختلفة , مما اكسب المسيرة التعليمية معطيات جديدة ، حررت الفكر الوطني من الرؤى الدراجة والمحلية الضيقة .
o وما تأثير ذلك على حياتكم الثقافية بشكل خاص ؟
في هذا المنعطف تعرفت على مدرس اللغة العربية ( طالب سالم ) بمتوسطة خليص – فلسطيني الجنسية – كان مجموعه من
الهوايات , أبرزها الرسم والخط والتصوير و القراءة ، وهي وإن كانت لا ترقى إلى مرتبة الاحتراف ، إلا أنها حبلى بالفكرة
والمغامرة اعترف لي بأنها حلول بسيطة لمشاكل معقده ، وأن قضيه الإنسان – على حد تعبيره – هي اكتشاف وسيلة تعبير يمرّر
عبرها رفضه للاستسلام ، هذه الأوضاع ساعدتني على فهم العصر بكل رؤاه , وانبهاراته , واحراجاته , ومخاوفه . وقادتني إلى البحث التاريخي , فأكملت تعليمي الجامعي , وتأهلت للدارسات العليا .
o هل تتذكرون أول ظهور لكم عبر الصحافة الأدبية وما واكبها من تشجيع معنوي ؟
في 25 رجب 1392هـ نشرت أول قصه في جريدة المدينة المنورة ( العدد 2561 ) بعنوان العودة إلى الصحراء ، وفي 28
رجب 1393هـ كتب سباعي عثمان في جريده المدينة المنورة ( العدد 2860 ) ” هذا الشاب خامة جيده يعيش في قرية نائية
, حيث يمتهن التدريس ، بدأ على هذه الصفحة بعض قصصه القصيرة الناجحة عن طريق زميلنا علي الرابغي ، محمد علي
الشيخ يواصل نشاطه وان كان في بطء … و أنا أتوسم فيه مستقبلا مشرقا للقصة القصيرة ” وفي 2/8/1393هـ كتب عبد الله
الجفري في جريدة البلاد ( العدد 4417 ) ” محمد على الشيخ كاتب شاب … صنع له الزميل علي الرابغي عجلات من مطاط
, ومهد له سباعي عثمان طريقا وعرا شائكا … ”
o في ختام هذا اللقاء ما الذي قدمته للمكتبة الثقافية ؟
أصدرت العقل لا يكفي ( مجموعه قصصيه ) ثم صراع العمالقة في القرن التاسع عشر ( بحوث تاريخيه ) تلاها رحلة البحث عن
الشمس ( مجموعه قصصيه ) وأخيرا سيرة حياة الشيخ حسن بن عبد الصمد ( سيره ) والبقية في طريقها إلى المطبعة بإذن الله
تعالي .
