كثيرة هي الشعارات، تملأ الزمان والمكان العربي منذ عشرات السنين، عبارات نارية تنطلق في الفضاء، أصوات وميكروفونات تعم الآذان، وحناجر رنانة تتغنى بها في المظاهرات والحوارات وعبر الفضائيات، والسنة فصيحة تتخير ما تقصر، وجزل من الكلمات. هذه هي النظرية : كلام جميل مليء بالوعود لتحقيق الانجازات، والتزام شكلي بأحداث التحولات الدراماتيكية الخارقة، ودغدغة رائعة لعواطف الملتقين وأحلامهم.
أما حين تقترب مرحلة التطبيق فإن النظرية تقتصر عن بلوغه، وتتكسر عباراتها النارية الهائلة على أبوابه، ويرتد الأمل إلى اصحابه خاسئا وهو حسير، وتحدث حالة من الصدمة المذهلة فيضطرب الوعي وتشرئب الاعناق الى اصحاب النظريات تترقب تفسير ماحدث ومالم يحدث فيتبارى اصحاب النظريات بالرد مستخدمين كل عبارات التبرير، فيخرجون الأمر على هواهم، ويجدون لكل فشل أسبابا، ويلقون باللوم على الصراع، ولا يعتزمون حتى بفشل نظرياتهم ولا بفراغها من المضمون، ولأن أصواتهم عالية، وحناجرهم غليظة، وميكروفاناتهم موجهة، فإنهم يعمدون الى تأكيد تلك النظريات وربما يضيفون إليها الجديد.
هذا هو واقع الحال في كثير من ممارسات اصحاب الشعارات الفارغة، وأعني بالفارغة هنا، خلو هذه الشعارات من امكانية التطبيق، وعدم دراسة الظروف الموضوعية للواقع العربي قبل دبلجة هذه الشعارات واطلاقها، والأمثلة كثيرة ، لا أخال أحداً من القراء لا يعرف امثلة عديدة منها.. كيف رفع الشعار، ثم انهزم أمام أول محاولات التطبيق.. وكانت هزيمته في بعض الحالات كارثية اعادت الأمة قرونا الى الوراء . الشعار رائع وجميل حينما يكون قابلاً للتطبيق، ويملك مطلوقة القدرة على تحويلة الى واقع، لأن النظرية شيء والتطبيق شيء آخر. وإذا ما اصطدمت النظرية بالتطبيق فإن حالة من اليأس، والاحباط تسيطر على الأمة. وهذه الحالة هي الأكثر خطراً عليها حتى عن الهزائم العسكرية..
عبدالحميد سعيد الدرهلي
مدير عام وزارة التخطيط / متقاعد
فاكس : 6658393
