الأرشيف الثقافيـة

البوح بالأسرار في أخاديد الأسوار

محمد البوزيدي
تعتبر رواية أخاديد الأسوار من بين الإصدارات المتميزة للكاتبة زهرة رميج، وقد صدرت سنة 2007 عن المركز الثقافي العربي والدار العربية للعلوم، وتتكون من 27 فصلا تتوزع على امتداد 158 صفحة من الحجم المتوسط، وتتنوع بين السرد والتحليل والوصف والسؤال.
وقد حرصت الكاتبة على تصديرها بإهداء خاص إلى روح زوجها ورفيقيهما عبد القادر الشاوي وعبد السلام الباهي والمناضلين الذين لم يبتغوا من نضالهم جزاء ولا شكورا مما يفيد بانتماء الكاتبة لخط إيديولوجي معين وهوالتيار التقدمي الذي قدم شهداء عديدين طوال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي دفاعا عن قيم ومبادئ خاصة.
2- الغلاف
يتوسط الغلاف رسم لفتاة في مقتبل العمر، حزينة تجلس متكئة على كرسي بجوار سور وتتأمل أمامها شيئا ما في حالة شرود، ترتدي لباسا ونعالا أحمر وهذه الصورة الصغيرة تنعكس على الغلاف كله لذلك يمكن طرح الملاحظات الآتية:
1. الاتكاء كان بهدف التذكر والرجوع إلى الوراء لشحن الذاكرة، للحكي عن أحزان ما، وبتصفح النص تجد الذاكرة صداها عبر التعرض لمرحلة حساسة من تاريخ المغرب من خلال سيرة شبه ذاتية للكاتبة وللزوج.
2. إن الاعتماد على اللون الأحمر القاتم يحيل على الدم الذي يتموج في أحداث الرواية بل نلمسه في ثنايا الإهداء.
3. ما دلالة الجلوس؟هل هواستراحة محارب أنهكته طول المسافة؟ أم سيواصل المسير بعد قليل؟ أم الإعياء الشديد الذي انتهى بصاحبه إلى المكان المغلق الذي يلبس فيه ثوبا خاصا بالسجناء.
لكن ما السجن المقصود هنا: هل هوالسجن كفضاء داخل النص؟ أم السجن كذاكرة للماضي في حد ذاته؟
4. ما دلالة خطوط المربع وحصر الرسم في صورة محددة؟ هل هومكان مغلق للأسوار التي تغيت الكاتبة الانسكاب وسط أخاديدها العميقة؟
3-دوافع كتابة النص
تعتبر الرواية نصا يغري بالتأمل الممزوج بالوصف الجميل الذي يتعرض للواقع المزري والرديء الذي عاشه ويعيشه المغرب في مرحلة تاريخية ما، كما تحاول الرواية السباحة في تلابيب التاريخ والجغرافيا بنفس أدبي يمزج بين السرد والنقاش الفلسفي في آن واحد، فأينما وليت لا تملك سوى الانكباب بعيدا بعيدا،تارة بالحكي، وأخرى بالوصف الدقيق، وأحيانا عدة بالتحليل العميق المستند للقراءة الواعية لتفاصيل التاريخ العميق للمغرب الذي سجل بدماء طرية كان الزوج أحد أبطاله. ترى ما الدافع إلى هذا النوع من الكتابة الروائية لدى الكاتبة رميج؟
إن الكتابة لدى زهرة رميج ليست ترفا فكريا أوتزجية للوقت، أوسباحة في عالم الخيال والرومانسية، بل هي كما صرحت في شهادة لها بكلية الآداب ابن امسيك في لقاء مفتوح مع طلبة ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب، يوم الخميس 26 أبريل 2007 بمثابة إعلان مواقف الكاتب مما يحدث في هذا العالم من قضايا شائكة ومربكة. فهي إذن مسؤولية..حيث يجب على الكاتب أن يرفع صوته منددا بكل مظاهر الظلم والفساد متوسلا بجمالية الإبداع وقدراته التخيلية الهائلة على ملامسة الأعماق وإبهار الأذواق. وأن يفتح كوة في الظلام الدامس ليتسرب قليل من النور إلى النفوس الظمأى. عليه – الكاتب – أن يحدق دائما وأبدا، في الظلام ليرى ما لا يراه عامة الناس، وبهذا فالكتابة يجب أن لا تكون مهادنة للواقع، ولا خاضعة لسلطته وأن لا تتماشى معه، ولا أن تكرسه. بل أن تكون جريئة وصادمة في الكشف عن سوءاته وعيوبه من أجل واقع أفضل.
فالكاتب ليس إنسانا عاديا بل إنسانا “مريضا بالوعي” كما قال فرويد. ولذلك، لا يقبل منه الاستسلام بسهولة أوالارتماء تحت عجلات الواقع الذي لا يرحم.
وانطلاقا ما سبق،ومن خلال الرواية يمكن تحديد دوافع الكتابة في أخاديد الأسوار فيما يلي:
1 الرواية عبارة عن رسائل مكتوبة إلى الزوج المتوفي قبل مدة نتيجة الآثار الجانبية للفترة التي قضاها كمعتقل سياسي بسجن ولعلو بسلا
فالكاتبة من خلال الرواية تحاول خوض مغامرة البحث عن البطل من جديد في ذاكرتها، ذاكرة تختزن لحظات غالية قضتها مع الزوج المناضل، لذلك فإنها ستفتح أبواب جراح مختلفة مازالت لم تندمل سواء في ذاتها المادية أوالمعنوية أوفي خوالج الزوج الغائب/ الحاضر. إن فتح الجراح لن يكون سوى مقدمة لإغلاقها ولومؤقتا انطلاقا من سيادة قيم الحب في النص، واستحضار الراحل في مواقف كثيرة ومختلفة استحضارات مؤثرة في مواقع متباينة تختلف فيما بينها من داخل الوطن إلى خارجه باسبانيا، ومن السجن إلى جبال الريف، ومن المنزل إلى البحر..فضاءات عديدة سجلت الكاتبة بتفان روايات عن لحظات عاشتها مع الفقيد وما تزال تتذكرها بإتقان رغم مرور سنة مما أدى إلى استغراب أحد الأطباء النفسانيين الذين زارتهم من ذاكرتها الخصبة المليئة بكل جزء دقيق من التفاصيل التي مرت عليها سنوات عديدة.
2-إن الكاتبة بهذا الأمر لا تتردد إذن في الكشف أن الأمر سيكون لهدف ذاتي وهوإرواء العطش وإسكات الجوع الذاتي لكنه الجمعي في نفس الوقت، ويتعلق بالحكي وتفجير المكبوت عما جرى في فترات معينة خاصة أن هذا البوح لم يكن مسموحا به من قبل، هذا في الوقت الذي تعاني فيه من جراء الغياب الخاص للزوج لاسيما بعد أن اعترفت أن هذا الغياب *سلطة لا مثيل لها لدرجة أسرت له في رسائلها قائلة *وجدت ظلك يتبعني
3-هل كانت الكتابة رد فعل على واقع يئست من تغييره، وانطلاقا من أنها أصبحت زاهدة في كل شيء فقد أصرت على فضح كل شيء لتبرئ ذمتها من التواطؤ صمتا على مايقع خاصة أن الأوضاع لا تنفك تواصل تعقيدا وفسادا في كل شيء وعلى أكثر من مستوى.
فكيف تعاملت الكاتبة لتحقيق هذا المبتغى؟
لقد عمدت الكاتبة إلى اتباع تقنيات عديدة داخل المتن الروائي نذكر أهمها:
1-تقنية الإخبار: فالكاتبة حين تجرد قضايا فهي لا تطرحها للقارئ مباشرة بل على سبيل إخبارات لزوجها الغائب إخبارات بما وقع بعد الرحيل.
2- تقنية الوصف حيث تقف عند مشاهد مختلفة لتنقلها لنا بكل ما تتضمنه من عناصر، مشاهد تتراوح بين البادية والمدينة، بين فضاءات القمع وأمكنة للحرية،بين خارج البلد وداخله،واضعة مقارنات للثنائيات السابقة.
3-في لحظات عديدة ترتدي الكاتبة قبعة عالم الاجتماع محللة لقضايا عديدة بطرق فنية خاصة من خلال رواية أحداث ومحاولة تحليلها وإيجاد تفسيرات لها.
ورغم أنها تحكم على الأمر وفق رؤيتها الخاصة فإنها لا تطرح بديلا، وهذا طبيعي لأن المتن الروائي لا يجب أن ننتظر منه كل شيء. فهل كان النص في حد ذاته رسائل متعددة إلى أكثر من طرف لكن من سيصدق الرسائل؟
4-جراحات ونزيف بدون حدود ويستعصي على التوقف
يعتبر الجرح أيقونة قوية الحضور في رواية أخاديد الأسوار عبر أشكال مختلفة وبصور متنوعة. وقد استطاعت الكاتبة نقل تجلياته مباشرة للمتلقي بصيغة تجمع بين الوخز السري الذي ينبئ عن وضع خاص يدعو للقلق وحتمية التدخل، ونقل الجو الغائم الذي يوزع المجتمع لأطراف متعددة وجزر يتموقع فيها الناس كل حسب مواقفه الخاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *