[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمد بشير علي كردي[/COLOR][/ALIGN]

العام 1977، والمكان فندق انتركونتيننتال بمدريد، والمناسبة زيارتي صديقاً. لفت نظري تجمع عدد من نزلاء الفندق حول شاب فارع الطول وسيم الشكل ساحر الابتسامة تبدو عليه سمات أهل المدينة المنورة، وأتفحص عن قرب الوجوه فأشبه على بعضهم، وأمضي في حال سبيلي، يلحق بي أحدهم سائلاً عما إذا كنت ابن الشيخ علي كردي المدني فأجيبه بنعم، وهل من خدمة؟ يجيب بنعم فالشيخ الجالس هناك على الكنبة يود التحدث إليك. وأقصد الشيخ مسلما ومرحبا وعارضا ما أستطيع تقديمه من خدمة، ويسألني عن والدي وهل هو في مدريد أم لا زال كعادته يفضل قضاء الصيف في القرب من بيت رسول الله، لا بد أنه هنا، فالأحفاد عادة يسحبون الجدين حيث هم، إذ لا أعز من الولد إلا ولد الولد. تبدو على وجهي سمات من يود التعرف على من يتحدث معه ويلحظها الشيخ فيجيبني باسمه وأجد نفسي بحضرة أصدق أصدقاء والدي وأنني كثيرا ما توقفت مع والدي وأنا في سنوات الطفولة أمام متجره خارج باب المصري، أجبته بأن الوالد معنا في إجازة الصيف واتفقنا على زيارته في وقت لاحق. وآخذ طريقي لمغادرة الفندق فيلحق به واحد من المجموعة المحيطة بالشاب الأنيق يدعوني للتعرف عليه، وأمد يدي لمصافحته والتأهيل به، ويرد التحية بالاسم وأنه على علم بوصولي مدريد ومباشرتي العمل في السفارة، وعلى علم بالثقة السامية التي منحني إياها ولي الأمر- ووقتها صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز يرحمه الله – لرعاية شؤونه وشؤون الأسرة المالكة الخاصة في ماربيا وما حولها، ورغب أن أزوره في ماربيا حيث يمضي إجازة الصيف، نتبادل العناوين وأرقام الهواتف وأغادر مسرعا إلى البيت لأنقل لوالدي خبر من قابلت في الفندق فيسر بذلك، وتأتي عصرية ذلك اليوم لنلبي دعوة الشيخ في السويت الفاخر الذي ينزل به ، ويقابلنا بكل الحفاوة والإكرام، ويدور حديث شيق عن ذكريات أيام زمان وحلاوتها رغم بساطتها، وكيف كان التنقل ما بين المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة يعتبرا سفرا شاقا يتطلب مبيت ليلة إلى ليلتين في الطريق وما قد يعترضه من مخاطر الضياع في الصحراء إذا ما تعثرت عجلات الشاحنة في سبخة من السبخات وتعذر على الركاب سحبها فاضطروا للتفرق في كل الاتجاهات بحثا عن الماء والإسعاف وتكون النتيجة في معظم الحالات أيام حزن وعزاء لذويهم، واليوم نجد الطائرة تنقلنا على بساط الريح مجتازة بنا المحيطات والقارات بساعات قليلة، حمداً للمولى على ما أنعم، تحدث مضيفنا عن رؤيته لما هو قادم من أيام بلغة المتفائل والواثق من أن الخير قادم لبلدنا وأن غدنا أفضل من يومنا، وهنا يدخل علينا الشاب الأنيق مسلما ويعرفه مضيفنا بأنه الابن الأكبر الذي أحب أسبانيا وتملك في شاطئ الشمس ليقضي مع أسرته وأصحابه وعملائه من رجال الأعمال الخواجات إجازات الصيف والأعياد، ويتساءل الوالد بعفوية عن الحكمة في دعوة رجال الأعمال الأجانب لقضاء إجازاتهم بالقرب منه، فيجيبه بأن المنتجعات السياحية وما توفره من وسائل الترفيه والرياضة هي أنسب الأماكن لعقد الصفقات الكبيرة، وأن ابنه من بين المساهمين في تنمية البلد، وتربطه علاقات جيدة مع أولي الأمر في بلدنا ومع الشركات العالمية الراغبة في تقديم خبرتها لتنفيذ المشاريع المقترحة التي أقرتها الدولة. والتقي بالشاب في ماربيا، ونتبادل اللقاءات ومعظمها في قصوره التي انتشرت على شاطئ الشمس وفيها كنت التقي بالعديد من وجهاء بلدي ورجالاتها السياسية والاجتماعية، ومن ممثلي الشركات الأجنبية الذين يقصدونه لغرض دخول الأسواق السعودية الواعدة، وأتساءل عن سر صعود هذا الوجه المشرق من شباب بلدنا بهذه السرعة، وتأتيني الإجابة بأنه وبعد أن أنهى دراسته الجامعية في أمريكا واستعد للعودة إلى الوطن أعلن عن استعداده موافاة كل من يرغب من الشركات بالتعرف على الفرص الاستثمارية في المملكة بتقرير شهري مفصل مقابل ألفي دولار أمريكي شهريا، وتمكن من الحصول على مئات من المشتركين، وفروا له دخلا شهريا وظفه خميرة لاستثماراته في المشاريع التي يراها أمامه في التقارير التي يعدها بعد أن حظيت هذه التقارير باهتمام العديد من المشتركين فكانت الزيارات المتبادلة وكان هو من يستقبلهم ويعرف بمكانتهم ويتابع ترسية العروض عليهم، ومن بعد وبفضل ما توفر له من اشتراكات التقرير الشهري كان الشريك فالمقاول.
هذه الشخصية العصامية – وهو من أسرة معروفة بمكانتها المالية والاجتماعية – غابت عنا يوم أمس الخميس 28 شوال الجاري ملبية نداء ربها \” يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي\”، وليرحم الله الأخ الصديق والحبيب والعزيز الشيخ يوسف عبد الله الخريجي، والعزاء مشترك مع الكثير من أهله ومحبيه.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *