وقفة مع تجربة (النظرية البنائية ) في التعليم

ماذا لو اشتريت سيارة فارهة جداً بها كل ما يحلم به الإنسان من تقنيات متطورة ، وذات لون جذاب وشكل انسيابي وفخم ، يعني سيارة كاملة والكمال لله تعالى ، غير أن فيها مشكلة بسيطة .. وقودها !! ليس له وجود في السوق المحلية !! والمكان الوحيد الذي يمكنك أن تجد فيه وقود لموترك هذا ليس إلا في الدولة المصنعة لها ، فإن أردت الحصول على بضع لترات منه فلا مناص من تكبدك المزيد من التكاليف! فهل تصطبر عليها رغم مشكلتها هذه أم تتخلص منها .. أم ماذا ؟ هذا بالضبط -من وجهة نظري – ما حدث للتعليم لدينا خلال السنوات الست الماضية وتحديداً منذ العام 2007 /2008 م ، يوم قامت وزارة التعليم ( وزارة التربية والتعليم سابقاً ) باستبدال نظريات التعليم التقليدية في مدارسها بنظريات التعلم البنائية الحديثة ، وهي خطوة لا يشك أحدنا أنها كانت جيدة ومنتظرة للرقي بالعملية التعليمية تمشياً مع معطيات العصر الحديث ، لكن للأسف .. أن هذه السيارة الجديدة ذات المواصفات العالية لم تزل غير متوائمة نوعاً ما مع وقود تعليمنا المحلي ( المعلمون ) ، أقول هذا ليس من باب التقليل من كفايات المعلمين المحليين معاذ الله ،إنما من باب الدفاع عنهم ، فكلنا يعلم أن معظمهم تلقوا تعليمهم الجامعي وما بعد الجامعي حسب آليات وطرائق التعليم التقليدي ( يعني عالموتر القديم ) ، ومن الطبيعي جداً أن يكون تعاطيهم مع التعليم الجديد فيه نوع من الارتباك وعدم الانسجام ، لذلك إن كان ثمة من عتب فهو على عاتق من تسرع في جلب هذه النظريات قبل أن يعمل بادئ الأمر على تطوير المعلم ذاته بما يتناسب مع مسارات واستراتيجيات تلك النظريات .
لكن … هل يفهم من هذا أن نتوقف الآن والتقهقر ؟ بالطبع لا ، فالمقصود – وهو المأمول حقيقة من وزير التعليم الجديد – هو تكثيف مساعي إعادة تأهيل المعلم سواء عن طريق الابتعاث للجامعات ، إما للداخل أو الخارج حسب الحاجة على أن تكون بترتيبات مدروسة بدقة متناهية تسترعي تحقق الأهداف ولا تفضي في الوقت ذاته للمزيد من الارتباك ، ولا يمنع أن لجأت الوزارة لاستثمار الإجازة الصيفية بحوافز وانتدابات تقوم مقام التعويض عما سيفقده المعلم جراء حرمانه التمتع بحقه في إجازته السنوية ، فكما قلنا الذنب ليس ذنب المعلم .. وليس ذنب الوزارة كذلك .. إنما الذنب يعود لحاجات التطور ومتطلبات النهوض وتطلعات الرقي ، ومن غير المنصف أن نحمل المعلم وحده أعباء هذا التحول المفاجئ .
أما من يدعي أن الوزارة قد أخذت هذا الموضوع بالحسبان وأنها قد قامت فعلاً بتفعيل برامج مكثفة لتدريب المعلمين على النهج الجديد( النظريات البنائية ) فأقول نعم صحيح .. لكنها ومع احترامي أثبت الميدان فشلها الذريع !! ولا أظن الوزارة عاجزة عن قياس هذا الفشل لو أرادت من خلال الميدان مباشرة ، وسبب الفشل في نظري يعود لأسلوب ( التدريب الهرمي !! ) الذي اعتمدته الوزارة في تدريب المعلمين ، والذي بدأ بتدريب مجموعة صغيرة من المشرفين التابعين للمناطق التعليمية .. تولى كل فرد منهم بدوره نقل الخبرة لمنطقته من خلال تدريب مجموعة أخرى يتبعون للإدارات التعليمية في تلك المنطقة ، وكل منتدب عن إدارته يتولى ذات المهمة مع مشرفي مكاتب الإشراف ثم في نهاية المطاف تصل الخبرة بعد مشقة للمعنيين بها بالدرجة الأولى (معلمو الميدان ) ، وهذا الأسلوب لا أظنه كان مجدياً نظراً لتسرب الكثير من قيم التدريب جراء الانتقال الطويل والممل من قمة الهرم ( الخبراء ) إلي قاعدة الهرم ( المعلمون ) خاصة إذا علمنا أن حلقة الوصل فيما بين القمة والقاعدة مجموعات من المتدربين الذين ربما معظمهم لم يتشرب الخبرة بالقدر الكافي ، لذا إن أرادت الوزارة أن تنهض بالمعلم فعليها أن تجعل تدريبه تدريباً مباشراً عبر الانتدابات والبعثات والدورات طويلة الأمد ، أو عن طريق الدبلومات في الجامعات ، أما ما عدا ذلك فهو تكريس للهوة بين المعلم وسبل الاستفادة من النظريات الحديثة للتعلم الاستفادة المثلى.

 

[email protected]
twitter: @ad_alshihri

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *