[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]خالد تاج سلامة[/COLOR][/ALIGN]

* على شرفة أنيقة وحولها سياج من الألمنيوم كانت \”حبابة بركة\” ترسل بصرها بعيداً.. شعرت بألم في يدها.. فهي قد تجاوزت الستين من عمرها.. شاب شعرها وحفر الزمن أخاديد على صفحات خديها الممتلئين وكان لطقم الأسنان الجديد على فمها حداثة وغرابة كانت تحس بها في كل شيء حولها في الناس.. في البيت.. بل في جدة كلها.أعجبها فمها الممتلئ بالأسنان فضحكت وعادت بذاكرتها إلى سنين خلت.. عندما هاجرت وزوجها من الجنوب تصحبهم عويلاتهم القليلة العدد مضحين بأرضهم التي ورثوها أباً عن جد.
فلم يكن لهم عيش أو رزق يقتاتون به بعد أن حلّ عليه القحط وما صاحبه من آلام مبرحة في الحصول على لقمة تسد رمق بعضهم.. وكانت رحلتهم عذاباً مشوياً من قرية لأخرى ومن مدينة إلى مدينة وفي جدة أنزلوا شباك عشرهم المكون من خريقات بالية وأواني تراكم عليها صدى الزمن وشبع.. وكانت محطتهم الأخيرة.
* كانت جدة القديمة تنام بعد صلاة العشاء وتغلق عليها أبواباً أربعة وسوراً عالياً .. يفوح من أزقتها عبق الماضي التليد، ورياح التجديد المتمثلة في اضافة روشان جديد يحل محل القديم الذي نخر السوس خشبه أو بناء \”مجلس\” فوق البناء القائم، أو أن فلاناً طلى داره بنورة جديدة جلبها له بعض معارفه بعد عودته من الخارج.
* جدة التي تنام وأرجلها ممتدة إلى البحر.. جدة التي كانت بلا إنارة حديثة كما هي اليوم.. حيث كانت \”الأتارك\” منصوبة على شوارعها تتأرجح بين فينة وأخرى عند هبوب رياح الجنوب \”الأزيب\” أو ريح الشمال وهناك في أزقتها بعض الفوانيس رقم \”4\” إن وجدت.
جدة القديمة التي كان السقائون تحلب عيونهم لرؤيا بصيص أمل في صهريج ماء.. جدة تلك التي كانت تتغذى على ماء العسيلة أو ماء \”الكنداسة\” كانت محط النازحين من الشمال أو الجنوب حيث تدفق إليها الجميع بحثاً عن الرزق والعمل.
وكانت البيوت التجارية المشهورة آنذاك تخلو من ساعة راحة إنما عمل مستمر متدفق بعطاء.. وكان ضمن من سكنوا جدة هذه الأسرة حضرت لتبحث عن عمل يسد رمقها ويعوضها بعض ما فات من سنى عمرها.
يتبع

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *