من هيلاسيلاسى حتى البشير:ما أشبه الليلة بالبارحة
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]د. عبد العظيم ميرغني[/COLOR][/ALIGN]
في 30 يونيو من عام 1936م، وقف رجل أسود نحيل يرتدي بزة سوداء أمام عصبة الأمم في جنيف، قائلاً: أنا هيلاسيلاسى الأول، إمبراطور أثيوبيا، أنا هنا اليوم لأطالب بالعدالة التي يستحقها شعبي، وبالمساعدة التي وعدته بها خمسون دولة قبل ثمانية أشهر مضت، حينما أكدت أن عدواناً قد ارتكب في حقه… إنني أدعو الله أن يجنب الأمم والشعوب ويلات المعاناة التي أصابت شعبي وأمتي… وإنه من واجبي أن أبلغ الدول المجتمعة هنا في جنيف، وهي المسئولة عن حياة ملايين الرجال والنساء والأطفال، بالخطر الماحق الذي يتهددهم، وأن أصف لهم الكارثة التي حاقت ببلادي…
بدأت المقاتلات الإيطالية في أواخر عام 1936م، قذف قواتنا بالقنابل المسيلة للدموع. وقد كان لذلك تأثير طفيف على جنودنا، إذ تغلبوا عليه بالانتشار وإتاحة الفرصة للرياح لتفريقها. فعمدت المقاتلات الإيطالية بعد ذلك إلى استخدام غاز الخردل. براميل من السوائل صبت على الجنود. هذه الوسيلة أثبتت أيضاً عدم جدواها، إذ لم تصب هذه السوائل سوى عدد محدود منهم، فقام الإيطاليون بتركيب رشاشات خاصة على مقاتلاتهم، تعمل على تبخير السائل وتحويله إلى رذاذ قاتل يتناثر كالمطر على مساحات شاسعة. وحتى يكون القتل منظماً وجماعياً وشاملاً يعم الحياة والأحياء كلها، جعلت القيادة الإيطالية طائراتها تتابع في تشكيلات من تسع أو خمس عشرة أو ثماني عشرة طائرة، التشكيلة تلو الأخرى، حتى كوَّن الضباب المنبثق منها طبقة متصلة…
وهكذا، منذ نهاية يناير 1936، صارت المراعي والأنهار كلها مشبعة بهذا المطر المميت على نحو متواصل. ولقد جعل هذا المطر كل من لامسه يصرخ من الألم، وكل الذين شربوا المياه المسمومة أو تناولوا المأكولات الملوثة ماتوا بعد معاناة مريعة. عشرات الآلاف من الجنود والرجال والنساء والأطفال والحيوانات سقطوا ضحايا غاز الخردل الإيطالي السام.
من أجل تبليغ العالم المتحضر مقدار هذا البلاء الذي حل بالشعب الإثيوبي عزمت على أن آتي اليوم لجنيف… في أكتوبر 1935، تعهدت إليَّ الدول الاثنتان وخمسون التي تستمع إلي الآن، أن المعتدي سوف لن يفلت بجريمته… ولاعتمادي على هذه التعهدات، وثقتي المطلقة في عصبة الأمم، وجهت مقاومة شعبي ضد المعتدي، وهو صراع غير متكافئ؛ صراع بين دولة تحت إمرتها أكثر من اثنين وأربعين مليون نسمة، وتحت تصرفها موارد مالية وصناعية وفنية وفيرة، وكميات مهولة من أسلحة الموت والدمار؛ وبين شعب صغير قوامه أثنا عشر مليون مواطن فقط، ولا يملك من السلاح والموارد إلا أقله، ولا سند له إلا عدالة قضيته، ووعد عصبة الأمم بمساعدته. فما هي المساعدات الحقيقية التي قدمتها مجموعة الدول الاثنين وخمسين لأثيوبيا؟ هذه المجموعة التي سبق أن أعلنت أن حكومة روما آثمة لخرقها الاتفاقية الدولية. فهل فعلت كل دولة عضوة في هذه المجموعة، ما يحتمه عليها الواجب، ويلزمها به البند 16 من الاتفاقية الدولية؟ لقد وضعت كل آمالي في هذه التعهدات المتكررة التي ظلت تصدر من هذا المجلس، والتي أكدت في كل مرة أن القوة سوف تجبر على الانحناء أمام الحق. فماذا كان مصير التعهدات والوعود التي قدمت إليِّ، منذ أكتوبر 1935؟
لقد لاحظت بحزن ولكن من غير اندهاش، أن ثلاثة من القوى الكبرى قد اعتبرت تعهداتها التي تقدمت بها إلينا بموجب الاتفاقية لا قيمة لها إطلاقاً… لقد كانت خيبة أملي عميقة حين تيقنت أن دولاً معينة، كانت على الدوام تؤكد التزامها الصارم بالمعاهدة، في حين ظلت على الدوام تحول دون الالتزام بها… إن الحكومة الأثيوبية لم تكن تتوقع أبداً أن تقوم حكومات أخرى بإراقة دماء جنودها دفاعاً عن الاتفاقية عندما لا تكون مصالحها الخاصة المباشرة مهددة. إن المقاتلين الإثيوبيين لا يطالبون سوى أن تتاح لهم وسائل الدفاع عن أنفسهم.
في مناسبات عديدة كنت أطالب بمساعدات مالية للحصول على السلاح. وقد ظللنا على الدوام محرومون من هذه المساعدة. فما هو إذن الأثر العملي للبند 16 من الاتفاقية؟
فيما عدا \”مملكة الرب\” ليست هناك أمة على وجه البسيطة تتميز على أية أمة أخرى، فإذا عنَّ لحكومة قوية أن تقهر أناساً ضعفاء، فقد حان الوقت لأن يطالب هؤلاء الضعفاء عصبة الأمم للحكم العادل في هذا الأمر. الله والتاريخ وحدهم سوف يشهدون على حكمكم هذا … فما هو الرد الذي يمكنني أن أحمله لشعبي وأرجع به إليه؟
كانت تلك محاولة لترجمة بعض ما جاء في خطاب الإمبراطور هيلاسيلاسى الأول الذي ألقاه أمام عصبة الأمم بجنيف، بعد مرور ست سنوات على اعتلائه عرش بلاده، وبضعة أشهر فقط من الغزو الإيطالي لبلاده (دون إعلان حرب عليها باعتبار أنها لا تستحق هذا الشرف)، ويعد بذلك أول رئيس دولة يلتمس إنقاذ بلاده من موجات اعتداءات دول الاستكبار التي أوشكت أن تبتلع العالم آنذاك.
بالطبع لم يرجع الإمبراطور إلى شعبه من جنيف حاملاً شيئاً مما وعد به، ولكنه عاد إلى جنيف بعد ذلك بحوالي ثلاثة عقود ليذكر منظمة الأمم المتحدة التي خلفت عصبة الأمم بخطابه السابق، قائلاً أنه كان قد خاطب الضمير العالمي حينها وتحدث بلسانه، وحذر العالم أجمع من مغبة التطلعات التوسعية لدول الاستكبار آنذاك، ولكن كلماته ذهبت من دون أن يؤبه لها. ولكن التاريخ شهد على صحة تحذيراته التي أطلقها عام 1936.
فمما هو معروف أنه لم يمض سوى وقت وجيز على خطابه ذاك أمام عصبة الأمم حتى حدث ما حذر منه الإمبراطور. فاستبانت للعالم حقيقة النوايا الإيطالية التوسعية والاستعمارية، بعد أن ضمت إليها ليبيا، واحتلت ألبانيا، وصارت تؤمل في تحويل حوض البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة إيطالية، وإنشاء إمبراطورية تمتد من أثيوبيا إلى ساحل غينيا الغربي، قبل أن تدخل الحرب العالمية الثانية كإحدى دول المحور. فهل يستمع العالم اليوم لتحذيرات \”البشير\” بأن محكمة الجنايات الدولية ليست سوى واجهة للاستعمار القبيح بوجهه الجديد، أم ترى أن تحذيراته سوف تذهب كما ذهبت تحذيرات الإمبراطور هيلاسيلاسى من قبل أدراج الرياح. ما أشبه الليلة بالبارحة! وما أحوج العالم لأن يستبين النصح اليوم، قبل ضحى الغد!
صحيفة السوداني
التصنيف:
