[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمد بشير علي كردي[/COLOR][/ALIGN]

في ساعات الفراغ الطويلة والمملة التي أعيشها، وقد يعيشها أمثالي من الموظفين المتقاعدين، لحظات مع ذكريات الأيام الأولى من مسيرة الحياة الوظيفية، حيث يسرح الخيال مع من التقينا بهم من الزملاء، ومن عملنا تحت إشرافهم من المديرين والرؤساء، وما صاحب مشوار العمل الطويل من مواقف وأحداث كما لو أنها وقعت في الأمس القريب، ويتمنى الواحد منا لو أن حركة الزمن تعيده إلى سابق أيامه فيستعيد شبابه ليعمل من جديد، مستفيداً مما اكتسبه من خبرة وسعة اطلاع، وتعيده أذنه إلى رشده وهي تنقل إليه مقاطع من أغنية لأم كلثوم فيها: \”قول للزمان يرجع يا زمان\” . غير أني، وفي صباح يوم السبت، أول يوم عمل بعد عطلة عيد الفطر المبارك، عدت إلى استعراض شريط الذكريات وأنا في مبنى الوزارة بجدة ملبيا دعوة كريمة من طيب الذكر والثناء سعادة الأخ السفير محمد الطيب، رئيس فرع الوزارة التي أعطيتها أحلى سنوات عمري، لحضور حفل استقبال لتبادل التهاني بالعيد مع زملائي من السفراء المتقاعدين وبحضور كبار موظفي الفرع في جدة ، وكانت فرصة أسعدتني بلقاء زملاء التقيت بهم قبل خمسين عاما، احمل لهم من الود والمحبة الكثير، وحالت ظروف تجوالنا بين مشارق الأرض ومغاربها من اللقاء بعد أن فرقت بيننا محطات العمل في الخارج، وأسعدتني أيضا بلقاء زملاء لا زالوا على رأس عملهم وسبق أن عملت معهم في اليابان وفي أسبانيا ولهم عندي كل التقدير وأطيب التمنيات، وافتقدت الكثير من الزملاء الذين سبقوني للقاء ربهم، كما افتقدت أولئك الزملاء الذين اختاروا مثلي وطن الغربة عن غربة الوطن بعد أن انتهت خدمتهم في الخارج الذي أمضوا فيه حوالي الأربعين عاما وعادوا إلى مدينتهم وقد فقدوا الكثير من زملاء الصبا والشباب، وبردت علاقات التواصل مع من بقي منهم على قيد الحياة، والجيل الجديد من أهلهم وأبناء أصدقائهم لا يعرفونه و لا يعرفه إلا بالاسم، ناهيك عن شعور الغربة وهم يراجعون الدوائر الرسمية، مثلهم مثل أي وافد جديد للبلد، فيصدمون بالروتين المعقد وبالحاجة إلى الاستعانة بمن يسهل لهم أمورهم.
وكنت أتطلع للقاء أخ وزميل عزيز تعودت على زيارته كلما توقفت في جدة لأستعيد معه ذكريات العمل معا في سفارة بلدنا بمدريد تحت رعاية السفير المعلم معالي الشيخ ناصر المنقور – يرحمه الله- فلم أجده بين الحضور لكونه قيد العلاج في الخارج بعد تعرضه لجلطة تعذر على أطباء مستشفيات عروس البحر الأحمر توقيف تداعياتها، وكان في تقديري أنه هناك على نفقة الدولة، لكني عرفت بأن الروتين الحكومي في إحالة المعاملات من الديوان إلى الوزارة المختصة ومن ثم إلى اللجان المتعددة قد حال بينه وبين تكفل الدولة لعلاجه في الخارج، فأسرعت أسرته بنقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعلى حسابها الشخصي، وكانت تمنيات الجميع له بالشفاء العاجل ليعود إلى أهله وبلده وقد استعاد كامل عافيته ونشاطه.
وتساءل بعض منا عما سيكون عليه حال من يتعرض لأزمة صحية وتعجز إمكانيات أسرته المادية عن تحمل تكاليف العلاج سواء في الداخل أو في الخارج، أقول أسرته لأن موظف الخارجية ليس له من دخل خلاف راتبه، ويفقد جل مدخراته – إن كان هناك مدخر- خلال نقله من موقع إلى آخر. واستغرب العديد منا حرمان الموظف المتقاعد من التأمين الصحي الذي كان يتمتع به وهو على رأس عمله، وأثنى الجميع على شركة أرامكو التي تولي موظفيها العناية والرعاية حتى بعد تقاعدهم، وتمنوا على حكومتنا الرشيدة أن يعم الخير الجميع.
وخرجت من الحفل الكريم مثمنا ومقدرا هذه المبادرة لتكريم المتقاعدين أمثالي في مناسبات الأعياد والتنقلات وإنهاء الخدمة، وهي سنة حسنة ينفرد بها فرع وزارتنا الموقرة بجدة، بدأ بها الأخ السفير عبد العزيز الصويغ، فله خالص الشكر والامتنان، والثناء متواصل لمن تولى الموقع من بعده.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *