يذكر أن وفداً من إحدى الدول كانت له زيارة لوكالة ( ناسا للفضاء ) بالولايات المتحدة الأمريكية قبل عدة عقود من الزمن . وأثناء جولتهم لاحظوا واحداً من عمّال النظافة هناك , يقوم بعملية تنظيف زجاج أحد المكاتب باهتمام شديد وعناية فائقة جداً , حتى ظنوا أنه يتصنّع ذلك لأنه يقدّم عملا لا يستحق كل هذا الجهد , وتوقعوا أنه يؤدّي عمله بشكل مبالغ فيه أمامهم فقط مما استثار فضول أحدهم ليسأله باستطراف عن سرّ هذا الاهتمام الشّديد رغم نظافة كل شيء من حوله أساسا , وأن المكان لا تبدو عليه الحاجة لكل هذا الجهد الكبير !! فكان رد العامل البسيط مباشرا وقويا ( بأننا نريد أن نصل إلى سطح القمر ) وهو بهذه الإجابة الواعية والمؤثّرة يعطي بعدا لفهم الهدف العام والأساسي لجهة عمله وتجسيدا للقناعة بالدّور المطلوب وأنه يساهم من زاويته لتحقيق الأهداف الوطنية الكبيرة لبلاده . فهو يرى أن عمل النظافة شيء مهم للتّهيئة , مثلها مثل من يعمل في الأقسام الهندسية المختلفة , أو من يقوم بالعمليات الفيزيائية الدّقيقة أو يتابع المسارات الفلكية المتعدّدة !! فجميعها تشكل منظومة لا تنفك عن بعضها , وكل واحدة منها تؤثّر على العمليات الأخرى , فلم يستهن أحدٌ بأي عمل مهما كان , مما جعل مثل ذلك العامل يشكّل القناعة بأهمية دوره وأنه شريك فعلي مع البقية من علماء فلكيين ومهندسين وفنيّين في هذه المهمة الكبرى. وبالتالي لا نستغرب تحقيقهم لأهدافهم الكبيرة وحصدهم لمنجزاتهم الرّاقية بوصولهم إلى سطح القمر ومن بعده إلى المريخ وإلى أبعد من ذلك .. طالما أن أقلّ العاملين في نظرنا يتمتع بهذه الرّوح العالية والهمّة العظيمة .. بما نستطيع أن نسميه الانتماء الصادق للعمل والحب المتدفّق للوطن. والواقع أن فهم الموظّف – أي موظف – لأهداف الجهة أو المؤسسة التي يعمل بها سيكون عاملا مهما في نجاحها والوصول إلى غاياتها. لكن ما نلاحظه عندنا – مع شديد الأسف – غياب الرؤية وعدم استيعاب عدد غير قليل من الموظفين بمختلف درجاتهم للأهداف العامة للقطاعات التي يعملون فيها سواء كانت حكومية أو أهلية .. إنما يؤدون برامج يومية رتيبة , لا تزيد عن كونها ممارسة معتادة ومكرّرة , الهدف الوحيد منها الحصول على الرّاتب الشّهري فقط , دون النّظر لأي منجز أو اكتراث بأي أمر آخر , مما قد يكون سببا في الإخفاقات وعدم تحقيق النّجاح المطلوب في كثير من الأحيان. لكن عندما يستوعب الموظف – في القطاع العام أو الخاص – دوره بشكل واضح ويعرف الهدف الرّئيس لمساهماته فسوف تزيد إنتاجيته .. التي ستؤثّر إيجاباعلى أداء المؤسسة. فمعرفة الأهداف أمرٌ غاية في الأهمية ويفترض أن تكون واضحة وموضّحة لكل جديد . وهي مسؤولية مديري الإدارات ورؤساء الأقسام على وجه الخصوص لإطلاع أولئك الموظفين على طبيعة العمل وإحاطتهم بالأهداف وتعريفهم بالواجبات وتعزيز الانتماء لديهم لتعويدهم على العطاء بإخلاص . وعدم الاستهانة بأي دور أو التقليل من شأن أحد . لأن العمل لا ينهض بشكل جيد إلا بكامل المجموعة وبكل المستويات , وعدم إشراكهم جميعا في المهام يُؤخّر تقدّمها وقد يصيبها بالعطب فلا تحقق أي نجاح يذكر . ومن المهم تنظيم الدّورات التّدريبية المستمرة لتوضيح طبيعة العمل والإجراءات المتّبعة ودور الموظف في العمليات الإدارية والفنية وغيرها … ومن الضّرورة أن يحيط كل موظف بالأهداف ويدرك دوره الحيوي ويعرف طبيعة عمله بشكل جيد وتوصيفه ليكون أكثر قابلية للتّطوير في أدائه وتشجيعه على ذلك بما ينعكس على الأداء العام الذي سيخدم الوطن على وجه العموم.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *