قياس .. وأخوه ساهر
قياس .. الاختبار الشهير الذي يتولاه المركز الوطني للقياس والتقويم في التعليم العالي ، جاء كما لو كان (بعبعا) جديدا وظريفا , يضاف إلى ما في الساحة التعليمية عندنا من (بعابع) اتخمت مدارسنا أصلا , حتى صار لسان حال طلابنا وطالبات : (هنلاقيها منين – ولا منين ؟ ) .
قياس .. رسومه مئة ريال , وكلما تكرر الاختبار تكررت المئة ريال (والحسابة تحسب ) ونظرا لكونه اختبارا مدفوع الثمن فان هذا عند عدد من منتقديه أول قدح في فكرته ومغزاه , ذلك لأن التعليم هنا مجاني والاختبار في كل الأعراف جزء من العملية التعليمية مكمل لها لا منفصل عنها .. إذن لماذا هذه المئة ريال التي تحتاج هي الأخرى إلى جهود وتعب, حتى يتم ايداعها في (جيب) ” أهل قياس ” .
هذا الأسبوع تكومت طالبات الثاني ثانوي في مقر كلية التربية للبنات بجدة بأعداد كبيرة ضاقت بسياراتهن المواقف والطرقات , بدءاً من خروجهن من بيوتهن عند الرابعة عصرا , وحتى العاشرة ليلا ساعة عودتهن , والمحصلة ست ساعات من العذاب والمرمطة , وكل الحكاية ” اختبار قياس ” الذي إن كان ولابد – فليكن في ستة مراكز موزعة على المدينة مثلا .
اختبار القدرات والتحصيلي يبدو كما لو أنه يلغي اختبار الثانوية العامة ويحوله بجانبه إلى هامشي , بل أن هناك من يرى أنه يشكك في قيمته ومضمونه وحتى في قياسات المدارس والمعلمين على قدرات طلابهم وطالباتهم , ويقدم نفسه بديلاً أولياً أكثر أهلية لمنح الطلاب ” جواز سفر ” دخول الجامعة , وكأنه يقول أن كل اختبارات الـ ” 12 ” سنة للطالب , أقرب لمجرد أن تكون ( خرطي ) وأنا ” أبو ساعتين – فريد زماني ” لقياس تحصيل الطلاب والطالبات .
هناك طلاب يشتكون حقيقة , ومن قصصهم أن بعضهم يحصل على 90 % .. ثم يأتي اختبار التحصيلي والقدرات ليهبط بهم إلى 80 أو 70 % مما يشكل صدمة لهم بعد كل السهر والتعب , ثم من بعد ذلك تأتي السنة التحضيرية في الجامعة , والتي تم اختراعها هي الأخرى ضمن سلسلة ما وصفها الطلاب في حواراتهم بأنها من العقبات التي تحد من اندفاعهم وحماسهم لمواصلة التعليم .
و” زبدة الكلام ” أن ثمة من يردد أن هناك ما يشبه اتفاق جنتلمان قائم الآن بين التعليم العام والمركز الوطني للقياس , على اجراء هذا الاختبار , وهذه في الواقع اشارة ضمنية تقدح في صدقية الاختبارات المعروفة للثانوية العامة , وتظهرها كما لو كانت اختبارات قاصرة , عاجزة , وضعيفة .. ولذلك لابد من تدارك الأمر بهذا الاختبار المعجزة .
لو صح ما تقدم , فإن السؤال البدهي الذي يفرض نفسه هنا هو .. لماذا كل هذه ” اللفّة الطويلة ” ؟ .. أليس من الحكمة والمنطق أن يتم ادراج اختبارات التحصيلي والقدرات ضمن اختبارات الثانوية العامة , بعد أن يكون الطلاب قد تدربوا عليها عاما كاملا , لأن من حقهم التعرف على المعطي أولا ثم يتم قياس مخرجاته – كإجراء منطقي بدهي .
اختبارات القدرات والتحصيلي يمكن الموافقة عليها على مضض ولابأس بها , بشرط أن يتم حذف نصفها على الأقل مما يعد حشواً لا طائل من ورائه , ثم يكون ضمن الاختبارات الشهرية والنهائية بالثالث الثانوي .. أما أن تكون لوحدها كما هو الحال الآن فان ذلك مما يحولها إلى هدف في حد ذاتها باعتبارها صارت ” مكوّنا ” مستقلا , وهذا لا يصح تعليميا , لآن الاختبار – أي اختبار – إنما هو جزء من عملية التعلم المستمرة ووسيلة لتحقيق هدف , لا هدفا في حد ذاته .
اللافت – وكما نسمع في المجالس العامة – أن ثمة تشابها كبيرا بين ” قياس ” .. وما يقال أنه أخ لساهر .. جمال في الهدف لكن ثمة سوء في التنفيذ والآليات .. ويبقى السؤال الحانق – إلى متى يظل طلابنا حقل تجارب ؟ .
التصنيف:
