قصة ليوباردي وسكان الحي الإيطالي

يحكى أن شاباً انتقل للعيش داخل حي عتيق في إحدى المدن الإيطالية ، فكان أول ما تلقاه عن جيرانه هو التحذير المشدد من أن يتسكع بالقرب من منزل سيدة تدعى كاترينا قيل إنها قتلت قبل نحو العشرين عاماً ، لكنها عادت إليه على هيئة روح شريرة ، لكي تفتك بسكان الحي الواحد تلو الآخر ، هكذا قالوا له .
الرجل في بادئ الأمر لم يأخذ هذا التحذير على محمل الجد .. فلم يكن ممن يؤمن بهذه القصص أو يكترث لها ، لكنه ومع كثرة سماعه لتلك القصص عن شبح كاترينا خالجه الفضول ، فجارته العجوز التي يسكن معها مقتنعة تماماً أن كاترينا تلك وراء أمراضها ، وأنها ما كانت لتشكو من آلام مفاصلها لولا تلك الليلة المشؤومة التي وقفت فيها أمام نافذة منزلها فرأت بأم عينها شبحها وهو يلوّح لها بغضب شديد عبر النافذة وكأنها تتوعدها بمصيبة ما ، أما جاره الذي يسكن في الجهة الأخرى من الشارع فلطالما كرر على مسامعه اسم كاترينا كلما أتت مناسبة يتحدث فيها عن هجران زوجته له على الرغم أنه متأكد من عدم اقترابه من تلك النافذة ، وقصص أخرى يسمعها من هنا وهناك ذات صلة بالمسألة !! فقرر أن يتفحص ذلك المنزل المريب بنفسه ! ولم يفصح عن نيته تلك لجيرانه خوفاً من أن يمنعوه من ذلك .
حينما وصل للمنزل اتجه ناحية النافذة التي يزعمون أنهم يرون شبح كاترينا من خلالها ، كان كل ما يراه هو سقف الغرفة وجزءاً من جدارها الداخلي ، لم ير شيئاً ذا أهمية ، قرر أن ينتظر حتى غروب الشمس ، ابتعد ثم عاد بعد المغيب ، وما إن وقع بصره على النافذة حتى رأى ذلك الشيء الذي أوجس منه ريبة ، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه ، وقرر أن يتسلق نحو النافذة ، وحينما أمسى محاذياً لها وأطلق العنان لبصره داخلها اعترته فجأة موجة ضحك عارمة !! فالشبح لم يكن سوى ثوباً معلقاً على ظهر كرسي ، وعليه من جهة الرقبة كرة من غزل الصوف ، كلما وقع عليهما ضوء الكنيسة المقابلة تداخل ظلهما على الجدار فيما يشبه المرأة ، في حين كانت الريح المتدفقة من النافذة تعبث بكمي الثوب وكأنهما يدان تلوحان بشدة ، عاد لسكان الحي ليبدد مخاوفهم التي لا أساس لها ، وأخبرهم أن كل ما يرونه ليس سوى خداع بصري لثوب وكرة من الصوف ، وحينما سمعوا ما قال صمت سكان القرية وعلى وجوههم تسكن ملامح الصدمة ، ثم تحدث أحدهم بنبرة فيها غضب شديد وقال له : حتى أنت ! وكنا نظنك واحداً منا!! حتى أنت تريد أن توقع بنا !! .. أي لعنة هذه ؟ ألم ننهك عن الذهاب لتلك النافذة ؟ ها هي تصنع منك طعماً لتجرنا إليها..تتآمر معها لتفتك بنا .. لكن اطمئن .. لن يحصل هذا.. فقد حاول الكثيرون قبلك ولم يفلحوا..لقد طردناهم من هذا الحي كما سنطردك الآن….
هذه القصة حقيقية ذكرها المفكر ليوباردي في مذكراته ، نقلتها لكم مع بعض التصرف للتذكير بأن معارك الوعي الفردي مع الوعي الجمعي مرهقة ، وستظل كذلك .. كابوس يجثم فوق صدر الحقيقة أينما كانت ومتى ما كانت؟ ولا سبيل للمفكر أمام هذه المعضلة سوى الصبر والتحمل..وإن تعرض للطرد كما تعرض ليوباردي.

 

@ad_alshihri
[email protected]

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *