في وداع الغالي
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمد بشير علي كردي[/COLOR][/ALIGN]
يغيب و لا يغيب، يرحل عن دنيانا بجسده، ويبقى بيننا بروحه وبمنجزاته على تعدد أشكالها من أكاديمية وهو الأستاذ الجامعي، وإدارية وهو على رأس إدارات ووزارات حيوية، ودبلوماسية وهو على رأس سفارة مملكتنا لدى المملكة المتحدة، وأدبية حيث ألف الكثير من الكتب والروايات التي تناولت من الأمور والقضايا المباح منها وغير المباح فمنعت العديد من كتبه من دخول المملكة ولم يفرج عنها إلا وهو على الفراش الأبيض. ويرحل بعد قصيدة عصماء يطلب فيها رحمة ربه وعفوه ورضوانه.
وتسألني رشا وهي تقف إلى جانبي عما إذا كنت على معرفة شخصية بالفقيد فأجبتها بأنه كان المشجع لي على الكتابة والتأليف منذ أن بدأت أقدم تاريخ وتراث وعادات وتقاليد بلدنا للشعب الياباني على طريقة الرسوم الكارتونية، ومنحني مرتبة شرفية في نادي الكتاب الدبلوماسيين.وقبل ذلك ، وخلال سنوات عملي في خدمة المغفور له بإذنه تعالى الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله في أسبانيا وعلى مدى 23 عاما كنت أسعد بلقائه مع كل قدوم له إلى ماربيا بطلب من خادم الحرمين الشريفين.
ولا أخفي سرا بأنه كان الوزير الوحيد الذي يقابله ولي أمرنا فور وصوله ماربيا، فقد جرت العادة أن استقبل ضيوف جلالته في مطار مالقة وانتقل برفقتهم إلى مقر إقامتهم في ماربيا، ومن هناك أجري اتصالا هاتفيا مع القصر أخبر فيه عن وصول الضيف ورقم غرفته ومقر إقامته ويكون التوجيه بأن على الضيف الانتظار في غرفته إلى أن يتم الاتصال معه في وقت لاحق ، وقد يطول الانتظار ليوم أو أكثر، إلا فقيدنا الغالي فكان هو من يطلب القصر من غرفته ليخبر ولي الأمر عن وصوله، ويكون التوجيه الكريم بالحضور فورا ودون تأخير، وتكون بينهما خلوة تمتد إلى ساعات عديدة، وتتكرر اللقاءات طيلة إقامة الفقيد في ماربيا.
وأذكر زياراته المتعددة إلى ماربيا وقت حصار الإسرائيليين لبيروت، فقد كان يمضي ساعات الليل الطويلة في مكتب خادم الحرمين الشريفين وهو يجري اتصالاته مع الأمريكيين والفلسطينيين في سبيل فك الحصار عن بيروت وتأمين سلامة الرئيس عرفات ومن معه من المقاتلين، فكان نعم المستشار الأمين.
وتطلب مني رشا إعطاءها المزيد عما أعرفه عن الفقيد، فقد قرأت له شقة الحرية وتعرفت على أحوال طلائع المبتعثين السعوديين إلى مصر لإكمال تعليمهم ووقفت على معاناة بعضهم من الصدمة الثقافية لاختلاف العادات والتقاليد بين مجتمع محافظ ومنغلق ومجتمع منفتح ومختلط، ورأت بين سطور الرواية ملامح الفقيد وأنه من عائلة لها مكانتها في كل من البحرين والمملكة.
أجبتها نعم ، هو سليل أسرة كريمة توزعت أنشطة أعمالها التجارية والصناعية بين المملكة والبحرين، وكان أفرادها على قدر كبير من العلم والمعرفة وإتقان لغة المال والأعمال وهي اللغة الإنجليزية، وأن بين كبير عائلته ومؤسس مملكتنا السعودية ود وثقة، ولم تبخل أسرته في تقديم العون المادي للحكومة الوليدة في جزيرة العرب دون طلب المقابل وقد عرض عليها، وهذا ما أعطى الفقيد شخصيته المميزة وتعامله مع الجميع معاملة الواثق من نفسه والمرتبط بأهله وعشيرته وأمته.
ولم يؤثر ارتباطه بزوجة ألمانية على شخصيته، بل زاده هذا الارتباط حرصا على المواعيد وعلى انجاز ما خطط له في مواعيده دون بطء أو تأخير، وهذا ما حدا بالبعض من انتقاده والتعريض بطريقة إدارته لأنه كشف عجز وتهاون العديد منهم في مهامهم المسندة إليهم، وبذل جهدا فائقا في محاربة الفساد والرشوة وعدم الانضباط في العمل.
وقد سمعت من صديق على إطلاع بعقود وزارة الكهرباء بأن مقاولا قدم للوزارة عرضا لمولد ضخم بمبلغ خيالي وأن الفقيد اتصل بصفة شخصية بشركات يابانية فحصل على مولد بذات المواصفات وبسعر يقل عن نصف العرض فألغى العرض الخيالي وثبت العرض الذي حصل عليه وضيع الملايين على مجموعة النور على نور، وعندما سألت الصديق عما يعنيه بمجموعة النور على نور أجاب بأنهم أهل النفاق والوشاية والرشوة وقد وقف الفقيد في وجههم وقطع سبل كسبهم غير المشروع. ليرحم الله فقيدنا الدكتور غازي القصيبي ويسكنه فسيح جنانه ويجزيه خير الجزاء عن كل ما قدمه لأمته ووطنه ومليكه.
مدريد
التصنيف:
