[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]جمعان الكرت[/COLOR][/ALIGN]

لم أنس الدم المراق الذي تخلفه السكينة الحادة لذلك الرجل.. نكتفي الصغار برؤية المشهد.. ووقتها كنا نشتمه بحجة أنها أذية مقصودة لها.. لاندري عن السبب الذي دفعه للقيام بالعملية الجراحية وسط السوق وأمام الجميع.. ليتقبل الشكر والتقدير لقاء صنيعه من الآخرين.. بعدها شاهدت أول منزل صافح عيني.. منزل الأخوين الفاضلين– علي ومحمد بن ضيف الله عاشا حياتهما منذ طفولتهما حتى ماتا.. وهما في منزل واحد يتقاسمان كل شيء.. العمل.. الحزن.. الفرح.. الخبز.. كل شيء..
بل كان يمتعان الآخرين حين يدق الزير برقصاتهما الجميلة وحركاتهما التي تثير الدهشة والإعجاب.. دكان الرجل الفاضل – محمد بن فيضي – يتوسط السوق الأسفل.. يتميز عن غيره بفتحاته الثلاث.. لايمكن للأبواب الثلاثة أن تفتح إلا حين يكون السوق في ذروته.. يحدث ذلك فقط في الأيام التي تسبق عيدي الفطر والأضحى..
كان انشراع أبوابه الثلاثة مقياسا لبلوغ سوق الأحد ذروته أما السوق الأعلى.. لم تجرؤ قدمي ارتياده إلا بعد بلوغي السن السادسة.. عالم مدهش.. إذ تتناثر بعض الأبقار.. والأغنام.. فضلاً عن بعض السلع المستوردة التي تباع في الدكاكين التي تحيط بالسوق كالسوار حول المعصم.. ويزيد المكان ألقاً وجمالاً المنارة البيضاء للمسجد فهي ذات رأس اسطواني.. لا أدري وقتها كيف انداحت صورة المؤذن الرجل الوقور – راضي – وهو يعتلي المئذنة.. ليرفع صوته \” حي على الفلاح \” كان صوته إيمانياً.. لطلعة وجهه إشراقة مضيئة -رحمه الله..
كان خالي عبدالرحيم – يرحمه الله – روائياً بالفطرة.. يستمتع الأهالي لسماع حديثه المنضود.. يحكي القصص.. بأسلوب شيق.. يشد المستمع ليرحل معه في وقائع الحكايات مزيج من الواقع والخيال.. أكثر ماحزنت حالياً.. أن لا أحد وثقّ حكاياته. القرية مزيج من الجماليات.. حتى النساء لهن حضورهن المدهش.. في الرأي الصائب والعمل الكادح.. بعض الأفراد المؤثرين في القرية ينسبون للنساء.. فلان ابن فلانة ربما لأنها كفلته بعد وفاة بعلها.. النساء قمن بأدوار عجز عنها الرجال.. هن مضيئات بأيمانهن وعملهن..
وللعمل الجماعي قيمته.. إذ يشترك الجميع في طمر أسقف المنازل بالطين في يوم يسمى \”الطينة\” بعد انتهاء أعمال النجارة في رصف الخشب.. من أشجار العرعر.. يردم نوع من أعشاب شجيرات العرفج لتزيد التماسك.. ويبلل التراب بالماء الذي يجلب بواسطة النسوة من الآبار عن طريق القرب.. ويفرشه المعلم بانتظام.. حتى يكمل تغطية السقف.. وما إن ينتهي العمل حتى يدق الزير.. ويرقص المشاركون في البناء على شكل نصف حلقة ,, يقف وسطهم الشاعر ينشد بالقصيد ممتدحاً صاحب المنزل.. مشيداً بالتعاون.. هكذا يبني سكان القرية منازلهم.. نسيج من العمل.. والتعاون.. والشاعرية.. لم تغب أيام الأعياد عن ذاكرتي.. إذ تظهر على شكل باقات من الورد.. تلك المساحات الخضراء التي تعتلي الوجوه.. وتلك الابتسامات الصادقات التي يراها الجميع كبيراً وصغيراً رجلاً وامرأة. يرتقب الأهالي العيد عن طريق المذياع.. وما إن يصدر نبأ دخول العيد حتى ينبري البعض إلى أسطح منازلهم ليطلقوا الأعيرة النارية ابتهاجاً وفرحاً وإعلاماً للجميع.. فيما يتجمع عدد من الشباب فوق قمم وسفوح الجبال ومن بينها سفح جبل القابل وجبل الحبناء ليشعلوا النيران.. ويتناقل سكان القرى الخبر عند رؤية المشاعل.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *