غربة في الأوطان
لعل العرب بكل ما احاط بهم من احداث في الاونة الاخيرة، اصبحوا يعيشون الغربة في اوطانهم منذ تغيرت اوضاعهم، بدءاً من احتلال بلدانهم عسكرياً في القرن الماضي، وما ان قاتلوا لينالوا استقلالهم، حتى عاملهم المستعمر اسوأ معاملة، وحتى عندما استقلوا عنه ظاهرياً، احكم علاقة له بهم تخدمه ولا تخدمهم فقد اوثقت بعض اوطانهم بالمستعمر السابق بروابط خفية، عسكرياً، واقتصادياً وسياسياً، ولا تزال اوطانهم التي تنتج سلعة وحيدة يخضعون لسياسات يرسمها الغرب، وهو المستهلك لهذه السلع، واستطاع في زمن مضى ان يوقظ الفتن بينهم ليتحاربوا على ارضهم نيابة عنه، وتدهورت بعض احوال بلادنهم اكثر مما كان حالهم حين الخضوع للاستعمار، ولما استطاعت بعض اقطار العرب تحقيق بعض التقدم لما كان لها من ارصدة مالية، بدأت في الظهور جماعات التطرف الارهابية لتعيث في كثير من اقطارهم فسادا، وبعضها استطاع في زمن قصير ان تكون له الهيمنة في بعض اقطار العرب، التي تعرضت لما اسماه الغرب الربيع العربي والذي نشر في تلك الاقطار التي مر بها فوضى عارمة لا تزال حتى اليوم تضرب في الساحات الضربات الموجعة، ولا يزال يعبث في بعضها وقد سلمها لاوضاع تستحيل في ظلها الحياة، وفي ظل هذه الاوضاع اخذت الاخلاق تنحدر ففي اقطار كثيرة بدأ العقلاء فيها يدعون لحملات لنشر وعي بالاخلاق التي كانت لمجتمعات العرب، ثم اخذت تختفي شيئاً فشيئاً حتى كأنها لم تعد موجودة، وحل محلها سلوكيات شاذة لم تعرفها المجتمعات العربية قبل هذا التدهور الذي حل بأوطاننا العربية، وبعض بلداتنا العربية التي كانت لها موارد تكفيها اصبحت اليوم تعاني، وينتشر بين مواطنيها فقر لم يكن معهوداً حتى اصبح كثير من المواطنين يشعرون بالغربة في اوطانهم، ولتعود اوطان العرب لا اقول الى ما كانت عليه، بل لتكون في مقدمة شعوب العالم المتحضر، تحتاج الى جهود كبيرة ومتوالية، تبدأ اولا بالقضاء على كل السلبيات، واستعادة الاخلاق العربية، تلك الاخلاق التي كانت سبباً في اختيار ربنا للعرب كأمة ان تكون اخر رسالاته التي يحملها الى البشر رسول منهم، جعل له اسمين من اسمائه عز وجل فهو الرؤوف الرحيم، وهو الرسول الذي جاء الى عالم البشر ليتم لهم مكارم الاخلاق، واولى الناس بتمامها هم العرب، الذين حملوا رسالة هذا الدين لشتى اقطار البشر، حملوا اليهم مشاعل النور، والاسلام والاخلاق متلازمين وما امن بالاسلام احد الا ويرتقي خلقه وسلوكه، ولابد ان ننهض بهذه الاخلاق بالتربية الراقية في المدارس والجامعات، وفي نوادي الكرة وتجمعات الشباب، فلا صلاح لمجتمع لابد وان يمر اولا بالاخلاق، ولن يعمل الناس لاوطانهم الا باخلاق ترتقي بهم، ولابد ان يرقى سلوكنا بما نستطيع لنعمل لاوطاننا، ونعيد لها وهجاً يجعلها تتقدم فالعمل الوطني اذا اخلصنا الجهد، فالذين عمروا اوطانهم لم يعمروها الا بجهد متضاعف يبذلونه ليل نهار ليرفعوا شأن اوطانهم، وعلينا ان نعي ان الفوضى والتخريب لا يمكن ابداً تكون ثورة ولن تجلب للاوطان حرية ولا ديمقراطية بل ستقضي عليها قضاء جميعا مبرماً، وعلى هؤلاء الذين لا يزالون ينتقدون ان نشر الفوضى ستغير اوطاننا للافضل وهي ستغيرها ولكن للاسوأ، والامثلة من حولنا ظاهرة ماثلة فهذه اقطار من اقطارنا اليوم بعضها اصبحت الحياة مستحيلة على ارضه، فهذه الدماء التي سالت وهذه الاعراض التي انتهكت وهذا الدمار الذي نراه في دول كثيرة، يوحي الينا ان ما احدثته ايدٍ قذرة تكره هذه الاوطان وتريد تدميرها، والثورة التي يراد منها ان تقضي على استبداد او اوضاع سيئة لا تكون هكذا فكفي تحريضاً على الفوضى المدمرة.
التصنيف:
