[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]شهوان بن عبد الرحمن الزهراني[/COLOR][/ALIGN]

عام هجري طوى صحائفه وأغلق نوافذه ومضى مسافراً إلى المجهول، خرج ولن يعود، ولا يمكن الانتظار لعودته أو تراجعه عن رحلته النهائية، فهي أبدية سرمدية، وهو عام كغيره من مئات وآلاف الأعوام السابقة مضت كلها ولم يعد منها عام واحد. عام جديد سيصبح غداً راحلاً مثل ما سبقه من الأعوام، صحيح أنه مضى يومان فقط من إطلالته ويعتبر مولوداً جديداً لا يمكن التنبؤ بما سيحدث خلال أيام هذا المولود وما يخبئه للناس، وعسى أن يجعله الله عام خير وبركة لجميع شعوب الأمة الإسلامية.في مثل هذه الأيام من كل عام نجد كثيراً من المقالات والتحليلات والإحصاءات عن الأحداث التي توالت خلال العام المنصرم، فهناك من يرى أن العام الماضي كان عام خير وبركة وأن صباحاته وإشراقاته ومساءاته كانت مبهجة مبهرة مفرحة، ثم يستعرض تلك الأحداث السعيدة، بينما هناك شخص آخر يسرد الأحداث المؤلمة في نفس العام ويرى أنه عام حمل المآسي والأحزان فقد رحل عزيز عليه وفاجأته الأيام بخسائر كبيرة في ماله ونقص من الصحة وأنه يعرف كثير من الناس ممن تعرضوا للأحزان والمآسي فيرى أن العام يستحق وصفه بأسوأ عام مرّ عليه. بينما إنسان ثالث يرى أن ذلك العام متقلب المزاج متغير الظروف والأحوال فتارة يحمل فرحاً وسعادة وتارة يأتي بالأحزان والمآسي، وكأن ذلك العام لا يعجبه الفرح حتى يتلوه بحزن، ولا يرضى باستمرار حلو العيش وصفاء الزمان فيسرع إلى تعكير صفو الحياة وحلاوتها.
الزمان هو الزمان فهو حلو عند هذا مر وحنظل وعلقم عند ذلك وهو متقلب بين الحالتين عند إنسان ثالث وهكذا. ومع أنه عام واحد ولكنه يحمل التقلبات والتغيرات في زمن واحد فيمر على هذا بالأحزان وفي ذات الوقت يمنح السعادة والحبور لآخرين وهكذا. وهذه المواقف والصور التي جعلت كل إنسان قادراً أن يسبغ وصفاً مختلفاً على هذا العام الماضي وهو صادق فيما يقول ولكنه بالنظر إلى حالته الشخصية أما بالنظر إلى مجموع الناس فلا يستطيع الحكم على العام بالخيرية أو غيرها إلا من خلال الوقائع والأحداث الكبيرة التي تمس جميع شرائح المجتمع وأطيافه فيمكن أن يسبغ الوصف من خلال تلك الأحداث.
إن إطلاق وصف معين على مجمل أيام العام من خلال وقائع شخصية محدودة الأثر لهو وصف على غير الحقيقة ولا يجد سنداً من الواقع، وأن ذلك الوصف لا يمكن إسباغه على مجمل العام لأنه ولو كان سيئاً عند عمرو فهو عند زيد قد يكون جميلاً وسعيداً ، ومن ثم فإن العام لا يوصف بالسيء أو الحسن إلا من خلال ما يحدث فيه من وقائع عامة تمس شرائح المجتمع وتسري آثارها المادية والمعنوية عليهم ويحس بها الجميع. إن توديع عام واستقبال عام جديد فرصة حقيقية لكل مسلم بأن يقوم بمراجعة شاملة لأعماله التي مضت فيسعى إلى إصلاح الخلل وتدارك القصور والتوبة والندم على التفريط ورفعة مستوى العزيمة في عمل الخير وبذل المعروف وهذا التوجه من الإنسان واجب حتمي فالإنسان ما خلق إلا للعبادة، فإذا كان التاجر الفرد والمؤسسات والشركات بل والدول تقوم كل عام بوضع خطة جديدة تستعرض من خلالها أعمالها القديمة وتضع تصوراً للميزانية المالية الجديدة التي ستتم على ضوئها الأعمال المستقبلية- إذا كان الأمر كذلك في أعمال الدنيا- وهي أعمال جانبية تعتبر وسائل لأداء المهمة الرئيسية وهي تحقيق العبادة لله سبحانه فإن مراجعة الأعمال والتخطيط للمستقبل في الأمور الدينية يكون فرضاً وحتماً على كل مسلم.
إن المراجعة اليومية فضلاً عن السنوية لأعمال المسلم هي سنة نبوية وواجب من مقتضيات حسن العبادة والاستعداد للموت الذي يأتي في أي وقت دون استئذان فعلى كل مسلم أخذ الحيطة والعمل الصالح من أجل أن لا يتفاجأ بالأجل فيندم ولات حين مندم. لقد أمرنا الله عز وجل بوجوب أخذ الاحتياط لمراجعة الأعمال السابقة وفي نهاية العام فرصة لإجراء مثل هذه المراجعة.قال الله :\”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ\”
إن الأمل بالله كبير في أن يكون هذا العام الجديد عاماً ولا كل الأعوام بأن يمنّ الله سبحانه على الأمة الإسلامية بالعودة إلى توحيد الصفوف والنهضة من غفوتها بما يحقق لها العزة والنصر على الأعداء وأن يعيدها لمجدها التليد. اللهم أجعل هذا العام على المسلمين شعوباً وأفراداً عام خير وبركة إنك ولي ذلك والقادر عليه.
ص.ب 14873 جدة 21434- فاكس : 6534238
[email protected]

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *