صناعة الحب والمناسبات ..

يقول نزار قباني رحمه الله ..الحب في الأرض بعض من تخيلنا ..لو لم نجده عليها لاخترعناه ..وانا اقول .. نحن البشر فطرنا على حب المناسبات والاحتفالات والاعياد والاحتفاء بها ..واذا لم نجد واحدة منها لعملنا على اختراعها وصناعتها ..لان الطبيعة البشرية جبلت على حب الفرح والحبور .. وعادة ما يكون سبب ذلك الفرح والحبور هو المناسبات ..
فهناك مناسبات واحتفالات الزواج والرحماني .. واعياد الميلاد ..وتهاني النجاحات .. والصرافة ( ختم القرآن) وبدايات السنوات والمواسم ونهاياتها .. بل الاديان سبقت البشرية في الحث علي الاحتفالات في بداية الطقوس الدينية ونهاياتها ..
فمثلا اليوم نحن نحتفل بمقدم شهر رمضان المبارك .. وبعد ايام نحتفل بعيد الفطر ..ثم يليه عيدالاضحي ..في اليوم التالي لوقفة عرفات .. وكذلك الامر في كل اعياد الديانات الاخري .. هذا ولم تكتف البشرية بتلك الاعياد الدينية بل اخترعت واوجدت لنفسها مناسبات اخرى للاحتفال والابتهاج بها وتبادل التهاني والتراسل والتواصل بالاحضان والزيارات وتقديم الهدايا والورود ..
ومن تلك المناسبات والاعياد التي اخترعها الانسان مثل ..عيد الام .. وعيد الاب.. وعيد الصداقة ..وعيد الحب .. حتى وصل الامر بالبعض للاحتفال بمناسبة الطلاق او حتي مولد قطة .. او جرو صغير ..
ومن المناسبات ايضا التي يحتفل بها الانسان الحديث هي الاعياد الوطنية واعياد النصر ..والاحالة الي التقاعد .. والترقيات ..والبيت الجديد ..والسيارة الجديدة ..وتخرج ونجاحات الابناء .. واقامة المهرجانات والكرنفالات ..الخ ..
كل ذلك يؤكد حقيقة واحدة هي ان الانسان يمقت الرتابة ويبحث عن المفاجآت التي تغير نمط الحياة وايقاعها ان كان بطيئا مملا .. ام سريعا صاخبا ..او حتى مؤلما ..المهم في الامر اننا نبحث عن الدهشة والسعادة في آن واحد .. ؟!
ولكن في الماضي .. والحاضر القريب جدا.. اعتدنا ان نحتفي بمناسباتنا ونتبادل التهاني بالتلاقي والتواصل الجسدي في مكان وزمان محددين ويتخللها الاحضان..والتربيت علي الكتف والقبلات .. والتي قد تصل الى الانفاس.
الا ان هذا العام وبمناسبة مقدم شهر رمضان المبارك .. اصبح جليا لي ..اننا قطعنا شوطا كبيرا في قبول التغيير .. وبالذات في التواصل الاجتماعي وتبادل التهاني ..خلال هذا الاسبوع ازعم ان كل واحد منا وصله ما لا يقل عن الف رسالة تهنئة بمقدم رمضان .. والملفت ايضا ان هناك من تقطعت بنا السبل مع اصدقاء لنا ايام الدراسة او الجيرة او الحارة.. ولم نلتقي لعشرات السنين ..ولكننا تواصلنا اليوم وبفعالية وبفرحة غامرة نهنئ بعضنا . ونبث حبنا ومشاعرنا وامنياتنا الصادقة لكل فرد منا .. كل ذلك تم بفضل التكنولوجيا.. والانترنت .. ووسائط التواصل الاجتماعي ..بعكس ما كان يجري بالامس القريب ودون التكنولوجيا ..كنا علي اكبر تقدير نتواصل مع عشرة اشخاص فقط والمقربين مننا جدا ..؟!
آخر الدراسات تشير الي ان 76% من الناس يعتقدون ان وسائط التواصل الاجتماعي لعبت دورا ايجابيا في ربط البشر فيما بينهم ..وقوت اواصر التواصل ووفرت الوقت والمال والجهد في التواصل الجسدي والتنقل من مكان الي اخر .. وان 14% يعتقدون ان الوسائط كان لها دورا سلبيا في انقطاع الناس عن بعضهم البعض في التواصل والزيارات الحميمية والاستمتاع باللقاءات ..اما ال 10% المتبقين فلا زالوا حائرين وغير مقررين
عزيزي القارئ ..أيا كانت النتائج. فالامر الواقع يفرض نفسه ..والقادم سيكون اشد وطأة لمن يقاومون التغيير .. الا انهم سيدركون ان الاحتفالات والاعياد والمناسبات في المستقبل ستتنوع اكثر .. وستأخذ اشكالا ومنحنيات اخري ..بل ستتعزز مفاهيمها من حيث الحب والمشاركة بالكينونة ذاتها والرفعة والخصوصية علي تقاسم الفرحة والسعادة ..
ومن المفارقات العجيبة نجد ان حياة الانسان تتغير وتتجه الي الوحدانية اقصد ( العيش وحيدا) اكثر فاكثر .. هذا مانشاهده ظاهريا ..لكن في الواقع فانك تستطيع ان تعيش عدة ايام قادمة وحيدا دون ان تلتقي بأي انسان ..ولكنك تستطيع ان تشارك كل الدنيا افراحها واتراحها ومناسباتها ..بل والتحدث معهم ومناقشة آرائهم ..وحضور المؤتمرات والحلقات العلمية عبر خطوط النت الوهمية الهلامية ..ولكن الاظرف انك تستطيع ان توفر الكثير من المال عن طريق تقديم هدايا رمزية تعبيرية لمحبيك واصدقائك في شكل كلمات وصور لباقات ورود ..ورسومات ..وابيات شعرية واعمال فنية تشكيلية واخري من تكويناتك وخيالاتك وابداعاتك ..
وهكذا الحياة تسير وتتطور .. والانسان يستطيع ان يخترق المستقبل برسم صورة كبيرة لما هو قادم ..وان يعمل بقدرته الفذة على التأقلم مع التغيير .. حتي لا ينفصم عن فطرته التي حباه اياها المولي عز وجل .
وتذكر عزيزي القارئ ..اننا كنا متعايشين مع اللمبة الكاز ..وفوانيس رمضان ..واستطعنا ان نتأقلم مع نور الكهرباء.. ولازلنا نفرح بمقدم رمضان.
كل عام وانتم ومن تحبون .. بالف خير وامن وسلام.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *