في الوقت الذي يجلس الشباب مكتوفي الايدي انتظارا لوظيفة حكومية مرددين المثل المعروف (اذا فاتك الميري اتمرمغ في ترابه) ونجح آخرون الى “قلة الحيلة” في توفير فرصة عمل لكنني التقيت بشاب جامعي سبق ان كان من احد طلبتي بجامعة الملك عبدالعزيز وبعد تناول حوار قصير معه قال لي اريد عملا ولم يقل اريد وظيفة.
أبهرني طلبة “اريد عملا” في فرط بساطتها وصدقها وعلى قدر ما بها من المعاناة الانسانية عكست رؤيتي كأني امام شاب شكل ثاني .. فقلت انت انسان عاقل ومتحضر وجاد يكفي من قولك الصريح والواضح “أريد عملاً” انك تمتلك ثقافة (العمل شوف .. العمل واجب .. العمل عبادة). فمن قوله (اريد عملاً) احسست انه صاحب يد يحبها الله لانه يد كد وعرق وتمتد بلا تردد او خجل نحو العمل الشريف مهما يكن، متواضع القدر او محدود الاجر، مادام سيكفيه ولو لفترة البحث عن وظيفة والتردد المستمر على معارض التوظيف.
لقد وجدت في هذا الشاب انسانا شكل ثاني لانه احد الشباب الراغبين في الحياة الحقيقية بعد ان نجحت الدولة في عملية التصحيح ونظمت سوق العمل والعمالة الوافدة التي كانت مسيطرة عليه.
قلت لهذا الشاب دعنا نتحدث بشفافية اكثر بطرح السؤال التالي:
هل صحيح ان من يبدأ حياته العملية صغيراً يظل هكذا طوال حياته؟
ام ان هناك التدرج المنطقي في العقلية وتطويع القدرات والمهارات والخبرات المكتسبة في المشوار العملي مما يصل بالانسان الطموح الى اعتلاء قمة السلم في المجال الذي يعمل به.
وهنا قلت للشاب : ما رأيك في مشروع عمل تجاري بالطريق العام وهناك نماذج كثيرة للشخصيات ناجحة بدأت صغيرة وكبرت واصبحوا قدوة ومثلا يحتذى به لاصحاب الاعمال الشرفاء . اقول بكل صراحة ان لغة الشاب (اريد عملاً) تعكس ثقة في نفسه، حقاً انه شاب شكل ثاني ، فطلبت منه ركوب سيارته الوانيت ، والاتجاه من منبى الغرفة التجارية بجدة الى مبنى الامانة ، فسألني لماذا؟ فأجبته فوراً : سترى بأم عينيك الواقع الذي سيعطيك مؤشرات ايجابية لطلبك (اريد عملاً) حيث وضح له فيما شاهدناه من بيع وشراء في مجال الخضار وكأنك في الحلقة. لقد لمس ان هؤلاء الباعة يستثمرون رأسمالهم البشري للتسويق لهذه المنتجات الاكثر رواجاً، ويقدم اصحاب المحلات في الحلقة الخضروات بأسعار مناسبة ، ويكتشف الباعة الوافدون في النهاية ان العمل على قارعة الطريق افضل كثيرا من العمل في مؤسسة او سائق.
وبعد رحلتنا القصيرة قال الشاب : هل في مقدوري ان اقتحم هذا المجال ، فكان ردي سريعا : سوف ترى اذا قررت ذلك وعند استلامك هذا الموقع على قارعة الطريق ربما تكتشف كنزك او تتحرك في طريق نهايته الخير الكثير لو استخدمت سيارتك الوانيت بالذهاب كل صباح الى حلقة الخضار بعد ان تحصل على توصية من عمدة الحي الذي تسكن به ومن عمدة الاحياء لديكم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما اكل احد طعاما قط خيراً من ان يأكل من عمل يده وان نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده.
ومع تفتح عقل هذا الشاب بدأت تجربة (اريد اعملاً) وان غداً لناظره قريب لانني اؤمن بأنه لن يفشل ابداً من يحاول ويتعب من اجل تحقيق حلمه في العمل بمشروع ولو كان على قارعة الطريق.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *