رياح التغيير .. وغمزات المنغلقين

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]بخيت طالع الزهراني[/COLOR][/ALIGN]

** عندما رغب بعض الأهالي من قريتي الوادعة فوق جبال السروات الشاهقة جنوب السعودية، فتح مدرسة للبنات في القرية قبل سنوات بعيدة جدّاً، تحمس للموضوع شيخ القبيلة، وكتب للجهات المختصة، فقالوا له: سنرسل لك مندوباً، وفور وصول المندوب طلب شرطاً واحداً فقط لافتتاح المدرسة، وهو الحصول على تواقيع عشرين شخصاً مع أرقام تابعياتهم \”هوياتهم\” .. شيخ القبيلة أوكل أمر الحصول على التواقيع إلى أحد النابهين في القرية \”وهو وقت كتابة هذه السطور مازال حيّاً يرزق، وهو الذي روى هذه الحكاية بنفسه\”.
.. يقول بدأت أتحدث مع أول شخص قابلته طالباً منه الموافقة، إن كان يرغب، مع توقيعه \”وضع بصمته\” ورقم تابعيته، فرد عليّ أن احضر لي مساء بعد أن ينام الجيران، وسوف أقابلك خلف البيت خلسة \”وأضع بصمتي\” وأقدم لك رقم تابعيتي وبشرط الا تخبر أحداً عن أمري \”ولا من شاف – ولامن دري\” وكأن الأمر قريباً من حكاية توزيع الممنوعات، أو تهريب المخدرات المحظورات خلسة تحت جنح الظلام وقت أن هدأت الناس وتوقفت وحركة البشر!!.
.. أوردت هذه القصة الحقيقية، والتي تصلح لمحاكاة \”قصص ألف ليلة وليلة\” الشهيرة برواياتها واحداثها الاسطورية الغريبة، حتى نتذكر كيف كانت البدايات، بدايات مجتمعنا السعودي مع خطوات التغيير والتطوير نحو الأفضل، وكيف أننا – عادة – نخاف دائماً من كل جديد، ونتوجس من كل تطوير.
.. وأكثر من هذه القصة، موقف الراحل الملك فيصل رحمه الله من قضية فتح مدارس البنات، وفتح أول محطة للتلفزيون، ومن أراد التفاصيل فعليه أن يعود إلى المؤرخين والمعاصرين، ليرى كيف كان الرفض الاجتماعي مزدهراً لكل جديد، وكيف انتصرت ارادة الملك الشجاع فيصل رحمه الله، وتصوروا لو لم تحضر شجاعة الفيصل، أو لو أننا ظللنا منكفئين وأسارى لأهل العقول الجامدة، وكيف كانت حياتنا بدون تلفاز ولا مدارس للبنات، ولا أجهزة تلفون ولا جوال ولاغيرها، وكيف كانت تسير حياتنا وسط منظومة دول العالم من حولنا، القريب منها والبعيد، بل وكيف كانت الدنيا ستفيد من الجديد، ونحن نتفرج عليهم فقط.
.. الآن بدأت بعض الاصوات النشاز تتعالى – وهي لحسن الحظ قليلة – معترضة على سير بعض نواحي الحياة في جامعة الملك عبدالله في ثول، وكأن ما يجري يذكرنا بالأمس البعيد، الذي لم أعشه أنا وجيلي وإنما سمعنا به ممن هم أكبر منا سناً، فماذا يريد هؤلاء بالضبط؟ وما هي وصفتهم السحرية لمجتمعنا، ولآليات التغيير والتطوير التي يريدها صناع القرار في بلادنا، وهؤلاء يرون ما يخالفها، إما بالتوقف مكانك سرّ أو بالعودة إلى الوراء، في مزايدة على الدين والقيم، وكأن من يريد التطوّر في عيونهم، إنما هو منسلخ من القيم والدين بهذه البساطة أو السذاجة في التفكير، وفي اتهام ـ ربما غير مقصود ـ عباد الله في دينهم وقيمهم وأعرافهم.
.. نقول وبصراحة لكل الاصوات النشاز اليوم وبالأمس، أنه لا أحد يزايد على تدين أحد، لأننا أبناء جزيرة التوحيد والايمان، وابناء القيم والشيم والاعراف، وقد رضعنا ذلك من اثداء أمهاتنا، ونعيش ونموت من أجل ديننا، ومن أجل شيمنا وقيمنا وأعرافنا وموروثنا، ولكن بالطريقة الوسطية، التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، وبدون غلو وشطط ولا تمييع أو تساهل، فكلا الأمرين مرفوض منبوذ، وخارج عن الاسلام الصحيح، ونحن في الواقع لا حياة لنا، ولا قيمة ولا اعتبار إلاّ بهذا الدين العظيم، وبهذه القيم الرائعة التي نستمدها من وحي شريعتنا، وهي أصلاً عنواننا وثقافتنا وميزتنا، عندما تتميز كل أمة من أمم الأرض بمميزاتها.
.. أما من أراد أن \”يهندس\” لنا اتجاهات معينة، ومسارات محددة، ليست موجودة في وحي اسلافنا وقيمنا، وإنما هي \”تخريجات\” غريبة من وحي أفكاره وتصوراته البالية والمنغلقة على الذات، فإننا نقول له وبالصوت المسموع: \”لا- وألف لا\” .. صحيح أننا نحسن الظن بأولئك القلائل المجتهدين، والذين نربأ بهم أن يكون هدفهم فرقعات إعلامية وإنما هو اجتهادهم، لكنه يبقى اجتهاداً خاطئاً، لايتوافق مع فقه الواقع، ولا مع عظمة الإسلام الذي أثبت ويثبت أنه صالح لكل زمان ومكان، ولذلك جاء خاتماً للديانات إلى يوم الدين، ولعل من حسن حظنا كسعوديين أن رزقنا الله بالملك الشجاع خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، هذا القائد الملهم، الذي يقودنا بحول الله من حسن إلى أحسن.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *