(خير اللهم اجعله خير)
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمد أحمد عسيري [/COLOR][/ALIGN]
سأروي لكم حكاية حلم ظل يراودني لفترة من الزمن فقررت أن أحكيه لكم لعله يكف عن العبث بنومي ، ولعلكم تنصحونني بمفسر أحلام يستطيع تأويل هذه الرؤيا . رأيت فيما يرى النائم رجلاً بملابس رثة وهيئة كادحة يفتش في مكب نفايات عن شيء لم أعرف ما هو .
يبدو أنه كان يبحث عن بعض الفتات الذي يسد به حاجته ، هو الوحيد الذي كان يبحث في ذلك المكب بينما الآخرون يفتشون عن فتاتهم في مكان بالقرب منه ولكن الصورة كانت ضبابية فلم تتضح الوجوه لي . كان الرجل منهمكاً في البحث إذ بكيس أسود يخرج له من بين كومة النفايات ، تفحصه بالنظر ثم أخرجه بهدوء ووضعه جانباً وبعد ما انتهى من بحثه وتلقيط رزقه حمل الكيس الأسود وذهب إلى عشته التي كان يسكنها وأولاده . فتح الكهل الكيس فإذا به يصرخ مذهولاً من شدة الفرح ، فهرع إليه أبناؤه والرعب يملأ قلوبهم خوفاً على والدهم ولكنهم ذهلوا أيضا من منظر الكيس الممتلئ بأنواع الذهب والمجوهرات والعملات النقدية.
وبعد أن سكن روعهم نظر إليهم أبوهم وهم ينظرون للكيس بتعجب وقال لهم : يا أولادي هذا رزق من الله أرسله لنا لنقضي به حوائجنا ، ونبدل ما نحن فيه من حياة البؤس والمشقة . هز الأولاد رؤوسهم المثقلة بصور الغنى ، والتمتع ، والملبس الحسن ، والمركب الفخم وغيرها من ملذات الحياة التي حرموا منها كل السنين الماضية . أخبرهم أبوهم أنه سيعطي كل شخص منهم ما يغنيه وزيادة بشرط أن يسعى الجميع في حوائج الناس ويكونوا سبباً في إسعادهم والعطف عليهم وتوفير كل سبل الحياة الكريمة لأهل قريته الصغيرة.
طبعاً وافق الأبناء وأخذ كل واحد منهم نصيبه ، فبنوا القصور الفارهة ، واشتروا المزارع الشاسعة ، وبدلوا حياة الضيق بحياة الرخاء.ولم يكتفوا بكل هذا بل زاد طمعهم في مال الأب الذي أراد توزيعه على الفقراء شكرا لله ، فقاموا بتدبير الحيل وإقناع الأب أنهم سيقومون بكل ذلك ولكن بطرق حضارية توفر العدل والمساواة بين كافة أهل قريتهم .
اطمئن الأب المسكين وصدق مكرهم وأعطاهم المال وبقي هو لوحده يشكر الله ويتعبد ، وعندما كان يسأل عن أحوال الناس تأتيه الإجابة أن كل شيء على ما يرام وأن الجميع يدعون له بالخير ودوام الصحة . استمر الحال على ما هو عليه وأهل القرية لا يأتيهم إلا الفتات الذي لا يسد حاجتهم حتى إنهم لم يبرحوا مرمى النفايات .. بينما الأبناء ينعمون بمال الله.
مات الأب وهو يوصيهم بالناس فبكوا عليه زيفاً وكذباً ، ووعدوه مكراً وخديعة .. ولكن الله أشد مكراً .
بدأ الخلاف يدب بين الأبناء ، والطمع يكشر عن أنيابه ، والشك يتربص بهم حتى وصل بهم الحال للفرقة والتحزب ،
اشتد الخلاف وتوسع ودخل بينهم شيطان من شياطين الإنس جعلهم يبددون ما لديهم من مال ، فتحول الدم في عروقهم لنار تحرق كل شيء .
لم يدم الحال طويلاً فما هي إلا سنوات حتى باعوا كل شيء بتراب المال وهاموا في الأرض يتخفون ليلاً ليبحثوا في مكب النفايات نفسه الذي كان يبحث فيه والدهم طمعاً منهم بكيس آخر .
وفي ليلة من ليالي الحلم وبدون موعد التقى الأخوة الأعداء صدفة في نفس المكان وإذ بشيخ عجوز بملابس رثة تشبه ملابس والدهم القديمة يجلس القرفصاء وفي يده عكاز وجهه يشع نوراً وهيبة .
نظر إليهم بحزن وقال لهم : أرأيتم أن زوال النعمة أمر يسير على الله والسبب أنكم نسيتم حالكم وتجبرتم على وصية والدكم الذي مات وهو يظن فيكم خيراً .
ها أنتم تعودون لنفس المكان ظناً منكم أنكم سترزقون كما رُزق والدكم ولكن الفرق كبير ، هو قلبه طاهر لم تغيره الدنيا .. أما أنتم فقلوبكم تنبض بالحقد والحسد .. ألم يخطر ببالكم يوماً أن الله كان بوسعه وهب النعمة التي كنتم تنعمون بها لشخص آخر ؟ لقد كتب الله عليكم الذل والهوان والفاقة كما فعلتم مع المساكين والفقراء ..
وفي لحظة غضب منه أشار لهم بعكازه الطويل فصرخوا صرخة مدوية استيقظتُ على أثرها مذعوراً والعرق يتصبب من وجهي والغضب يملأ قلبي على أولئك الأغبياء الذين شتتوا أمولاً لو وهبوني بعضها لأصبحت أغنى من كارلوس سليم نفسه ، وعلى ذلك العجوز الذي أيقظني وأيقظ الجيران ولم يصمت حتى أعرف نهايتهم .. عدت إلى نومي وأنا أردد خير اللهم اجعله خير ..
التصنيف:
