حياة اجتماعية مليئة بالزيف والكذب
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]رفعة بنت محمد الغامدي[/COLOR][/ALIGN]
في الوقت الذي تطورت فيه وسائل الاتصال والتواصل بين الناس، زادت القطيعة وكثرت الأعذار، وابتكر الكذابون وسائل يحاولون بها تعطيل التقنية المفيدة، فجاءوا بتقنية تنسخ ما قبلها وتخدم رغباتهم في المراوغة والتحايل، وإلا فما هو هدف خدمة (موجود) في الهاتف المتنقل؟ ومن استفاد من (الظهور بدون اتصال) على المحادثة الفورية؟ لماذا لا نسأل أنفسنا: لماذا وضعنا العين السحرية في الأبواب، وعلقنا الكاميرات على الباب الخارجي؟
أصبحت العائلة تمتلك أكثر من سيارة تقف أمام المنزل، وسكانه يكررون: ما قدرنا نزوركم ما عندنا مواصلات. وتتجول المرأة أغلب وقتها في الأسواق؛ تعرفها شبرا شبرا، بل وتتحدث مع الباعة وكأنهم أفراد من العائلة لكثرة ما رأوها واعتادوا على ذلك، ومع ذلك تشتكي من لوم الآخرين لها لأنها لم تقدم واجب العزاء في فلان من الناس، وتتضجر من جهل أولئك الذين لا يحترمون طبيعة عملها ولا يقدرون ضيق وقتها!
وفي المناسبات السعيدة يضع صاحب المناسبة يده على قلبه خشية أن يتخلف المدعوون عن الحضور، ويبقى طوال الوقت يعدهم وإذا افتقد أحدهم واتصل به يستعجله، اصطدم بصوت الهاتف المغلق أما العزاء فهو المناسبة الوحيدة التي لا زال الناس يقومون بها على عجل، وقد يؤديها البعض فوق أرض المقبرة يسارعون بعدها إلى الهرب من السلام على بقية الناس وبعضهم قد تلثم بشماغه يحث الخطا إلى سيارته! .. وفي المستشفيات تتكلف عائلة المولود بتجميل غرفته وتعلق البالونات وتبتاع الحلوى والشوكلاته الفاخرة وتنفق المال والوقت لاختيار الشراشف والمهد والزينة بنفس اللون لتكون حديث الناس لسنوات طويلة، ولكنها تفاجأ بالحضور الزهيد من الأقارب، ناهيك عن زميلات أو زملاء العمل أو الجارات اللاتي أبدعن في اختراع الأعذار التي منعتهن من الحضور. وقد يعدك أحدهم بأن يلقاك في المكان المناسب بل ويشد على يدك مؤكدا في حين يعمل الجانب الآخر من عقله لابتكار العذر الذي سيقدمه لك عندما يتخلف!
أتساءل دائما عن إحجام الناس عن زيارة بعضهم، والتهاون في أداء الواجبات الاجتماعية كالتهنئة بالمولود أو المنزل الجديد أو زيارة المريض أو حتى تلبية الدعوة لتناول القهوة أو الطعام، وأجد إجابات كثيرة تثير تساؤلات أكثر فأدور في دوامة من التفكير واعترف أنا نفسي بأني قد خالفت ظن من وثقوا بي ولو لمرة واحدة على الأقل. والحقيقة أن الأعذار ولو تنوعت، وان كانت غير مقنعة للطرف الآخر، وفي أحيان غير محبوكة، فان اللجوء إليها مضيعة للوقت وإهدار للصحة والمال، وإحراج لجميع الأطراف. طبعا مضيعة للوقت وإلا أين تذهب الثواني التي شغلت نفسك فيها بالتفكير والتملص من قريب أو جار؟ وأين تذهب الساعات التي انتظرك فيها صديق في شارع أو عند إشارة مرورية وأنت تغط في نوم عميق؟ وهي مضرة بالصحة والمال لأن الذي أنفق المئات من الريالات لإعداد وليمة لأصدقائه الذين لم يحضروا سيقضي بقية الليل يعاني من انتفاخ القولون وحرقة المعدة إذا لم يتطور الأمر إلى ذبحة صدرية. أما الإحراج فلا داعي أن أذكرك انك قد تكشف كذبك بنفسك وبزلة صغيرة من لسانك لأن الكذب ينسى، أما لو كذبت بشأن ذهابك إلى مكة للصلاة على قريبك المتوفى ثم رآك شخص في ذات الوقت في السوق مع المدام فلن ينجيك أن تقول هذا أخي التوأم! ما هي المشكلة لو اعترف الناس برغبتهم في الحياة المنقطعة الخالية من علاقات أسرية واجتماعية؟ يحق لهم ذلك. فهذه حرية شخصية. لماذا يناقضون رغباتهم الداخلية و يعتبون دائما على الدنيا التي فرقت الناس وهم أنفسهم الذين اتخذوا الجانب القصي من الحياة، هاربين من الحسد والغيرة، خائفين من الالتزامات الاجتماعية، كارهين بعضهم؟! وإذا كان الظرف الذي يمنع الشخص عن مجاملة الناس والوفاء لهم بالوعود صحيحا فلماذا لا يصرح به صاحبه؟ أليس ذلك أفضل من الكذب؟ نعم، قل للناس أنك لا تحبهم! أخبر قريبك أنك لم تحضر زفاف ابنته لترد له الصاع عندما تخلف عن ملكة ابنتك قبل عدة سنوات! أخبري زميلتك أنك فضلت البقاء في المنزل على الذهاب إليها بدلا من عذرك المعتاد: زوجي ما يسمح لي أخرج! اتركوا حجة: غيرت شريحة الجوال وضاعت الأرقام! أو انسرق جوالي! أيها الابن الحبيب زر والدتك وأترك الكذب لأنك أنت بالذات لن تستطيع أن تتذاكى على من علمتك مهنة اختلاق الأعذار.
صدقوني إنها أحسن طريقة لتوفير الأمل بأخوة زائفة أو صداقة متغيرة، بل أجدر طريقة لحفظ الأموال. والأهم من ذلك ضبط الوقت والاستفادة فيه بما ينفع الفرد والدولة.وإذا كانت الحياة الاجتماعية عبء يعوق تقدم الفرد على المستوى الشخصي والمهني الوظيفي، فارموا بها عرض الحائط! ولكن كانوا أكثر شجاعة واعترفوا بذلك!
التصنيف:
