تهنئة بالعيد من مدريد
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمد بشير علي كردي[/COLOR][/ALIGN]
اغتنم الجيران في مدريد تكنولوجيا الاتصالات بنقلها الصوت والصورة لتقديم التهاني بعيد الفطر المبارك عبر شاشة الكمبيوتر، واستأثرت رشا بالنصيب الأوفر من المحادثة.
استفسرت مني عن الأهل والصحب في مدينتي المنورة، وعن العيد وفرحته، وعن القديم الذي فقدته باستيعاب توسعة الحرم النبوي لكامل المدينة المنورة التي عرفتها طفولتي، والتي وجدت شبيها لها في قرطبة حيث المسجد الجامع في مركز المدينة الأثرية وحوله الأسواق والأحياء السكنية بأزقتها وحاراتها الملتوية لتعطي مزيدا من الظل يخفف على المارة من حرارة الشمس، وعن الجديد الذي تعيشه مدينتي بعد أن أحاطت الفنادق الفخمة بالحرم لتوفر الإقامة للحجاج والزائرين فدفعت بأهالي المدينة المنورة بعيدا عن الحرم وحرمت جيل اليوم من متعة التواصل مع الجيران خلال أيام العيد، فهي لا تزال تذكر حديثي لها عن العيد أيام زمان حيث كانت أيامه الأربعة توزع على أجزاء المدينة الأربعة لتستقبل المهنئين بالعيد من الأطراف الثلاثة الأخرى، وبفضل ذلك التوزيع مع تقارب الأحياء والمساكن دخلت برفقة والدي – يرحمه الله – معظم بيوت المدينة أيام زمان، وسألتني عما إذا كنت أؤدي الصلاة بالتناوب ما بين المسجد النبوي الشريف ومسجد قباء، كما تساءلت عما إذا كانت تقام صلاة الجمعة في مسجد الجمعة الذي شهد أول صلاة جمعة في الإسلام بعد انتقال الرسول وصحبه وأنصاره من قباء وقبل وصولهم المدينة المنورة، وهل صحيح أن مزارع النخيل التي كانت توفر الأمن الغذائي والأوكسجين قد قضى عليها انتشار المساكن الإسمنتية، وماذا عن المستقبل الذي ينتظره الأبناء والأحفاد في ضوء تكدس الأرصدة النقدية من واردات الطاقة التي أنعم الله بها على شعوب دول الخليج العربي، والتخوف من عودة اشتعال منطقة الخليج شرقا ولبنان وفلسطين غربا بحروب واضطرابات أمنية تؤجج نيرانها قوات الاحتلال الإسرائيلية لفلسطين من أجل تهويد الأرض، وتفتيت العالم العربي والإسلامي، والسيطرة على مصادر الطاقة الطبيعية، ولم يفت رشا التساؤل عن المشاريع العملاقة التي أقرتها حكومة خادم الحرمين الشريفين بألوف البلايين من الريالات السعودية للتنمية ومواكبة العصر، وما إذا كان العمل قد بدأ في بعضها بعد أن مضى وقت طويل على احتفال المملكة بافتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية شمال مدينة جدة،وأن الوقت قد حان للإعلان عن إنجاز المشاريع الأخرى المرتبطة بحياة المواطن وتحسين أوضاعه المعيشية والاجتماعية، وتلك المرتبطة بتطوير المطارات وقدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة من المغادرين والقادمين والعابرين على غرار ما تم تطويره وإنجازه في العديد من مطارات الدول الخليجية المجاورة للمملكة، وعن شبكة الطرق الحديدية التي ستربط مدن المملكة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وتلك التي تربط الأماكن والمشاعر المقدسة، وما إذا كان للشركات الأسبانية نصيب من التعاقد على بعض مراحلها ، كما تساءلت عن صحة ما تنقله وكالات الأنباء من أن شريحة الفقراء قد تجاوزت العشرين بالمائة من عدد السكان، وهل صحيح أن نصف مليون طالب وطالبة يتلقون تعليمهم خارج المملكة،وأن ظاهرة البطالة بين حملة المؤهلات العلمية العليا لا تزال متفشية وخاصة بين السيدات، وأن عمل المرأة السعودية لا يزال موضع جدال بين المحافظين ودعاة الانفتاح، ومتى سيكون بوسع المرأة السعودية الاستغناء عن السائق الأجنبي بتمكينها من قيادة السيارة لتنقل أطفالها من وإلى المدرسة، ولتتسوق من المجمعات التجارية لتأمين احتياجات منزلها، وبهذا تعود الأم لممارسة دورها الطبيعي في إدارة منزلها ورعاية أسرتها والتقرب من أبنائها وبناتها. ويبدو أن والدة رشا قد أخذت على ابنتها إطالة الحديث فأخذت مكانها على الشاشة لتقدم التهنئة ولتلتمس الدعاء في الأماكن المقدسة لفك أسر بيت المقدس وإعادة الحق في الأرض وفي العودة إلى أهله، ووقف أعمال العنف والقتل والترويع في البلدان العربية والإسلامية ليعود الأمن والأمان والاطمئنان إلى شعوب العالم، وعادت رشا إلى الشاشة لتذكرني باصطحاب تشكيلة من تمر المدينة المنورة وأنا في طريق العودة إلى مدريد.
المدينة المنورة في 4 شوال 1431
الموافق 13 سبتمبر 2010
التصنيف:
