[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]عبدالحميد سعيد الدرهلي[/COLOR][/ALIGN]

تلعب الجغرافيا دوراً هاماً في توزين القوة بين الدول ، فمنها ما يؤثر في الاستراتيجيات ومنها ما ينعكس على السياسات، ومنها ما يحدد هوية العلاقة الدولية، ومن هنا جاءت مصطلحات الجيواستراتجيا والجيويوليتكي في الدراسات السياسية والاستراتيجية والامنية، صياغة مكوّنات ميزان القوى الدولي.
والوطن العربي من المناطق الدولية التي تتمتع بموقع جغرافي فريد وهام. فشواطئه تشرف على اربعة بحار رئيسية في العالم، وتتحكم دوله بالشراكة أو بالانفراد باربعة مضائق دولية تشكل مداخل لكل مناطق التأثير الدولي، اقتصاديا وعسكرياً وامنياً وسياسياً، إلا أن الدول العربية لم تحسن ابدا ادارة مقدرات الجيواستراتيجية التي تملكها، كما انها لم تستطع ان تتحكم حتى ولو جزئياً – بالمضائق التي تطل عليها، ناهيك عن عجزها عن التحكم في مصير المنطقة رغم انها تشكل الكتلة الاكبر منها، ونعني بذلك منطقة الشرق الاوسط.
وقراءة سريعة للجوار العربي ندرك عمق الضعف الذي يعيشه ، فإيران من الشرق دولة تسعى لان تصبح هي دولة القلب النظام الاقليمي الشرق اوسطي، لذلك فإنها تحشد كل قدراتها الاقتصادية والعسكرية والبشرية.
اما تركيا، فهي ايضا دولة تطمح – وبكل قوة- لأن تصبح الدولة الاكبر والدولة الأولى في التأثير، وكذلك فإنها تجند امكاناتها العسكرية وتوظف كل علاقاتها الدولية، وتنشأ الاحلاف العسكرية في داخل المنطقة في سبيل تنفيذ مصالحها وتحقيق اهدافها والوصول إلى مقاصدها. ومن هنا جاء سعيها للدخول الى زاويا الحراك السياسي العربي والاسلامي لتستخدم ذلك ورقة مؤثرة في سيعها لتصبح القوة الاكبر في المنطقة، الامر الذي يسهل لها عملية الانضمام الى المجموعة الاوروبية.
اما اسرائيل، فهي ايضا تسعى بكل قوة لتتحكم بمصير المنطقة، فلا توفر فرصة الا وتنتهزها في سبيل اثبات قدرتها العسكرية المستندة الى دعم غير محدد وبلا سقوف من قبل الولايات المتحدة الامريكية واوروبا.وهكذا، فإننا نراها تقرر وبكل وضوح انها لن تتنازل عن سياستها ولن تغيّر من الآليات التي تنتهجها لتحقيق استراتيجياتها.
وهناك في أفريقيا، اثيوبيا واريتريا وتشاد، كلها دول تبحث هي الاخرى عن ادوار تلعبها خاصة وانها لا تخفي تعاملها مع الغرب ومع اسرائيل ، وتجاهر – من جانب آخر- بمخططاتها وطموحاتها في سبيل التحكم بالقرن الافريقي الذي يطل على السودان والصومال واليمن، وهي دول عربية تحتاج إلى مساندة في سبيل التصدي لهذا التطاول.
لماذا اصيب العالم العربي بهذا الوضع؟ ولماذا لم تحقق مجتمعاتنا العربية الازدهار المطلوب، بل بقيت مصابة بالتخلف والجمود؟ ولماذا لا يتم استخدام طاقات الامة المادية والمعنوية الهائلة لمكافحة التخلف وتفعيل التفكير العقلاني لتحقيق التقدم والازدهار والوصول الى المكانة المرموقة؟
ليس من الصعب الإجابة على هذه التساؤلات إذا عرفنا بأن المعضلة التي تواجهها المجتمعات العربية اليوم تكمن في اختبائها وراء ظواهر الدين والتاريخ مع التأكيد على ان استخدام العقل وتبني الفكر العقلاني يخرجنا من ديننا وتاريخنا.
ان الدين الذي تحقق في فترة تاريخية محددة اعطى اجابات واضحة عن اسئلة تلك الفترة التاريخية، ولكن الزمان والمكان والاحتياجات اختلفوا جذريا في الفترة التاريخية المعاصرة.
ولكن للاسف، لايزال البعض متمسكا بأجوبة تنتمي لعصر تاريخي معين، ولايريد التحرك لما يواكب العصور المتجددة، ولايريد التحرر من تلك الفترة التاريخية، مع ان المشكلات المعاصرة التي اصبحت تجتاح مجتمعاتنا العربية والاسلامية تحتاج الى رؤية وقراءة وطريقة توجه عصرية.
إن الدين خالد، وعلينا قراءته قراءة عصرية لا تتجاوز حدود العلاقاة الروحانية الخاصة التي تربط المخلوق بالخالق. وعلينا ايضا اعادة انتاج فلسفة تاريخنا من جديد حتى لايكون تاريخنا وديننا وتراثنا قيداً وتوقعه ومنفى لنا في سجن الماضي، ومجرد اوراق صفراء تلقي بنا خارج العصر من دون تداخل او تفاعل مع الاداة المنتجة للتقدم والازدهار.
لذا ، اعتقد بأن الخلاص مما نحن فيه من تخلف وخلاف هو التحرر من تلك الفترة التاريخية التي هي مصدر التخلف والاختلاف.
وانه بمقدار ما ننفتح اليوم على العلم في تطوره وانجازاته وتحديداته الدقيقة العميقة، وعلى الثقافة الليبرالية العصرية بقدراتها وضروراتها وتطبيقاتها بمقدار ما نقدم لأنفسنا مقومات التقدم والمعاصرة والانتصار في معركة البقاء الحديثة. فبالعلم والعمل والانفتاح تُبنى اسس الحضارات القادرة على البقاء.
حيث ان التمترسُ في سجن التاريخ والتشبث بفلسفته وتراثه لاينتج سوى عقلية متحجرة ضارة، لاتدفع عنا عدوا ولايشبعنا من جوع ولايروينا من عطش، فضلا عن كونهما ينتجان ارهاباً غير مقبول.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *