مصطفى محمد كتوعة

في كثير من الحالات هناك \”حِكَمٌ\” تصدر من بعض \”الحكماء\” وتنشر في بعض الاماكن تثير الانتباه بصورة لافتة، فيقف المرء حيالها مندهشا وخصوصا اذا كانت هذه الحكمة مطابقة للواقع الشخصي.. أو الواقع العام.. لقد اعجبت كثيرا بحكمة قرأتها في ورقة تقويم ومن فرط اعجابي بها كررت قراءتها عدة مرات وهي تقول: جيء بأعرابي إلى أحد الولاة لمحاكمته في جريمة ارتكبها، فلما دخل على الوالي في مجلسه أخرج كتابًا ضمنه قصته وقدمه للوالي وهو يقول: هؤم اقرؤوا كتابيه.. قال له الوالي: انما تقال هذه يوم القيامة. فقال: هذا والله شر من يوم القيامة .. ففي يوم القيامة يؤتى بحسناتي، أما أنتم فقد جئتم بسيئاتي وتركتم حسناتي.
فصاحة وقوة ومنطق يدلك على ذكاء العرب وسرعة البديهة أمام الوالي.
إن الواقع المعاش في عصرنا الحالي يؤكد بدون ادنى شك على صدق الاعرابي ومدى الظلم الذي يقع من قبل بعض الناس الظالمين .. فكم من مظلوم وقع على رأسه الفأس وهو لا يرى بل لا يمت للجريمة بأدنى صلة .. وكم من مقهور مات من شدة التعذيب وهو لا يدري ماذا فعل؟ ان هذا الاعرابي عاش في ذلك العصر وكانت فيه نسبة \”الظلم\” ضئيلة جدّاً وكان الظالمون فيه على عدد اصابع اليد فكيف به لو عاش في عالم اليوم.
إننا في هذا الوقت بالذات مطالبون بأن نتدبر امورنا تماما وعلى الظالم ان يدرك أن للمظلوم خالقاً.. وان هذا الخالق ذا القوة المتين والذي يأخذ بيد المظلوم فليتذكر الظالم أنه مهما اوتي من سلطة فصاحب القوة المتين جل وعلا سيحاسبه في الدنيا قبل الآخرة.. فالانسان مهما علا شأنه فهو من تراب والى التراب سيعود وله رب سيحاسبه وله رب سيلقاه.. فالافضل له ان يعمل الخير في دنياه لكي يلقى ربه وهو نظيف .. ان المجتمع الذي اصبح فيه القوى يأكل الضعيف يحتاج كثيرا الى تدبره اموره .. ويحتاج لمثل هذا الاعرابي حتى يبصره للحق لأن \”الحق\” في اجازة .. ولابد أن يعود من عطلته!! اننا نمتطي صهوة الدنيا ونسير في دروبها دون ان نعي .. ودون ان نحاسب انفسنا على غلطاتنا فكم منا مَنْ لا يفيق إلا بعد ان يقع الفأس في رأسه .. وكم منا من يتباهي بماله وكان هذا المال هو \”القوة\” التي من خلالها يستطيع دحر الناس وايقافهم عند حدهم ولا يعرف أن هذا \”المال\” بلاء كبير عليه لأنه لم يوظفه كما يجب .. ولم يعرف فيه حق الناس ويعتقد أنه جمع هذا المال بذكائه او بحنكته او بعبقريته ولا يعرف أن هذا المال هو مال الله سبحانه وتعالى، ان الجهل في الحقيقة هو السبب الرئيسي لإغراق \”البعض\” في متاهات الظلم، ذلك لان العاقل يعرف تماما أن الدنيا عبارة عن \”جسر\” ينقل الى الآخرة.. وانها محطة نستريح فيها قليلاً لنمضي نحو القبر .. وهو من أجل ذلك يعمل لآخرته ولا يفرط فيها .. ويكثر من زاد الآخرة بأعماله الحسنة في هذه الدنيا .. اما الجاهل فلا هم له في هذه الدنيا الا اشباع غريزته وملء طاقاته الخاوية واغراق جسده في وحل الرذائل حيث لا يعرف طريقا لمواقع الفضيلة.. لقد اعجبتني هذه الحكمة التي بدرت من الاعرابي فمازلت أقرؤها حتى حفظتها ويا ليتنا نحفظها جميعاً ونعمل بها.
حكمة: العفو يصلح الكريم ويفسد اللئيم.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *