ابا فهد كنت لمجتمعك وفيا

صالح المعيض

دنيا نكتشف بين فينة وأخرى انها صغيرة مهما تعاقبت السنون وتوالت الاجيال ،وأنها فعلا كمن دخل من باب وخرج من آخر ، ولعل رحيل الاقارب والاصدقاء عنا ومن حولنا يوما بعد يوم يؤكد ذلك ، ويضعنا مع كل فراق نتوقع اننا اللاحقون بعد لحظات ، لذلك نستهلم الصبر وان يجبر الله الاحوال بمزيد من التحلي بالإيمان بقضاء الله وقدره وان هذا حال الدنيا بين قادم ومودع تختلف الأعمار كل وما كتب له ونسأل الله لنا وللجميع حسن الختام ،

هذه المقدمة إستدعيتها كتأمل موقن بقضاء الله وقدره وانا لا زلت كغيري ممن عرف هذا الشخص حزينا على رحيله ، وان القلب ليحزن والعين لتدمع على فراقك يا “ابافهد” فأغلبنا تعرف على ابي فهد المغفور له بإذن / عبدالرحمن بن حمد الغامدي من خلال مستشفى الملك فهد بجدة ، والذي كان بيته العملي الأول والأخير حتى تقاعده قبل عام تقريبا ،

وذلك بمباشرته العمل بالمستشفى وفق تخصصه في علم الاجتماع كمسؤول عن “علاقات المرضى” والذي كان يفضل شخصيا تسميتها رحمه الله بـ (خدمات المرضى والمرافقين والزوار) لعشقه للتخصص فكان بفضل الله خير من اؤتمن في هذا المجال طيلة تعاقب مدراء المستشفى والذي كان في فترة من الفترات يحتوي على قرابة الف سرير ، وقرابة مائة عيادة وقسم إداري او فني تحتاج لخدمات ذات صبغة إدارية بكل ما يهم المريض والمرافق والزائر منذ فتح الملف وتخصيص العيادة ثم المواعيد سواء للعيادات او المختبرات والاشعة وبقية الاقسام ، والتخطيط للمهام السريرية والتنويم والخروج وتجهيز التقارير الطبية ، وضمان تلقي المرضى وذويهم أفضل الخدمات المتاحة في المستشفى و مركز الرعاية الصحية الأولية ، كذلك حفظ امانات وخصوصيات المرضى خصوصا من ينقلون إلى المستشفى نتيجة الحوادث المرورية او العرضية ، والاتصال والتواصل مع ذويهم والتنسيق بين الاقسام والتجاوب مع تساؤلات وملاحظات وشكاوى المرضى ومرافقيهم والزوار ، وما يكتنف ذلك من خصوصيات واسرار يجب ان تبقى في سرية وأمان ، وكذلك حسن التعامل في نقل المعلومات لذوي المرضى او المتوفين وفق أطر إنسانية تراعي المصداقية والامانة والتعامل الإنساني الذي يراعي مشاعر الجميع وتحملهم لتلقي المعلومات دون صدمات تنعكس على سلوكياتهم ، وكذلك تمثيل المستشفى أمام الإدارات الحكومية الأخرى لأي سبب كان يتعلق بالمريض ، حيث كان القسم يقوم ايضا بدور العلاقات العامة ، وقد عمل رحمه الله على التطوير التدريجي وكان يضع هو بنفسه خطط ولوائح تتجدد سنويا بما تقتضيه مصلحة العمل ، ويعتمدها من مدير المستشفى مباشرة وعرف عنه الجدية والحزم وكان يمثل القدوة لذلك يتقبل منه الجميع حزمه لأنهم يرون انه يتقدمهم في ذلك ، وعرف عنه أنه كان يقوم بعمله كرئيس للقسم وفي ذات الوقت يحرص على تغطية تأخر موظفيه بنفسه حيث انه كان يباشر عمله من الساعة السادسة والنصف ، وهو كذلك آخر من يخرج من العمل ، وطيلة عمله والذي اعرفه عنه شخصيا أنه حينما يلمس تذمر بعض الموظفين من مناوبات إجازات الأعياد وتكون أعذارهم مقبولة يقوم هو بنفسه بالعمل في إجازات الأعياد ، لذلك من النادر أن يقضي اول ايام العيد مع اسرته إلا في النادر ، وكذلك ايضا من النادر أن يتمتع بإجازته السنوية كاملة ، وقد عرض عليه مناصب إدارية كثيرة ورفضها لأنه كان يجد في هذا المجال نفسه رغم كثرة مسئوليات ومشاكل هذا القسم إذا هو دائما في الواجهة ، سيما انه يشارك كثيرا في العمل التطوعي الخيري بالإضافة إلى العمل الرسمي ، داخل المستشفى وخارج اسواره ، وكان متعاونا مع معظم الهيئات والمؤسسات المجتمعية والخيرية ، حتى أنه بعد تقاعده رحمه الله كان حريصا على السؤال وتفقد احوال زملائه واصحابه ومحبيه ومع تلك الهيئات والمؤسسات ، وقد عرض عليه بعد تقاعده العمل بالقطاع الخاص للإستفادة من خبرته ، ولكن فضل التفرغ لأسرته ثم متابعة العلاج ، إلا أن قضاء الله والذي لامفر منه كان أسرع ، وكانت الساعات الأخيرة من حياته ولله الحمد مبشرة بالخير ، فقد أدى صلاة عصر ذلك اليوم ، وطلب من ذويه بالمستشفى وقد إستشعر دنو الأجل إذا لم يكن هنالك مشقة عليهم ، ان يوارى جثمانه بجوار والده بمكة المكرمة رحمهما الله ، وفاضت روحه الطاهرة بإذن الله قبيل صلاة المغرب من يوم فضيل وذلك يوم الاربعاء الخامس من شهر ذي الحجة 1437هـ، وقد حقق له اشقاؤه وابناؤه وفقهم الله رغبته ، مثل هذه النماذج الحية الفاعلة في مجتمعها فعلا يعد فقدها خسارة للمجتمع ككل وليس لأسرة أو شخص أو حيز ضيق ، رحمه الله رحمة الابرار واسكنه فسيح جنانه والهم آله وذويه الصبر والسلوان (إنا لله وإنا اليه راجعون).
جدة ص ب 8894 تويتر/ saleh1958

التصنيف:

1 Responses

  1. بعد قراءة هذا المقال خالج صدر ان هناك اناس اوفياء واصدقاء لاينسون اهل الوفاء ولايذكر الوفي الا الوفي والاصل الطيب نترحم على الفقيد رحمه الله واسكنه فسيح جناته والشكر موصولاً لكاتب هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *