وهي تسير في طريقها بأحد الأسواق المركزية رأت طفلاً لم يتجاوز عمره الأربع سنوات، يقوم بسحق مجموعة من النمل بقدميه، وكانت أسرته تقف على مقربة منه، مبتسمين سعداء بفعلته.. أثار الأمر حزناً داخلها فأقتربت من الطفل وابتسمت ثم دنت منه في هدوء وقالت في صوت حنون:

-حبيبي ليش بتقتلهم.؟
-“أجاب الطفل بحماسة”عشان لا يأكلونا
-بس هي صغيرة ما تقدر تأكلنا..
-في كبيرة تقدر تأكلنا” قالها وهو يشير بيديه ويضخم صوته”

-بس إنت بتقتل حتى الصغار..”ثم أكملت بعد أن شعرت بتجاوب الطفل وهو ينظر في اتجاه موقع النمل:”سيبهم يروحوا بيتهم عشان ماما وبابا بيستنوهم ” ثم اخرجت حلوى من حقيبتها ناولتها للطفل الذي ظهر على محياه السرور بالحلوى، وهمت بإكمال طريقها.
ذلك الحوار لم ينل رضا جمهور المشاهدين من أسرة الطفل، خاصة والده الذي قال بصوت ساخر وقد تعمد أن يكون مسموعاً:
-درويشة..
نظرت نحوه السيدة وأكملت طريقها..

لِم انفعل الوالد بتلك الطريقة، واستخدم أسلوباً يتسم بالعداونية في الرد؟، هل كان يدافع عن سلبيته تجاه الموقف، أم أن الأمر كان أقل أهمية من أن يكرس له وقتاً، أم أن تعليم الصغار أبسط القيم أصبح من أفعال الدراويش.؟

سمعت معلومة من إحدى الصديقات تقول فيها: إن قانون الصيد البحري في استراليا.. يؤكد على وجود مواصفات محددة للأسماك المراد صيدها، ولا يكون الصيد عشوائياً، أو يزيد عن حاجة الفرد، وأنه على الصياد أن يعتذر للسمكة التي أخرجها من الماء وكانت لا تطابق المواصفات، أو كانت أكثر من حاجته ويعيدها للبحر.. ما هذا يا شعب أستراليا اتعتذرون لأسماككم.. ويحكم هل لازلتم في عهد الدروايش؟!.

في ألمانيا أغنية تثير غضب جمعية الرفق بالحيوان، لأن كلماتها تدعو لنزع أرجل ذبابة، مما أحدث اعتراضاً حتى بين محبي تلك الفرقة، على اعتبار أن تلك الذبابة وإن كانت مزعجة، إلا أنها تصنف من الكائنات الحية، ولا يحق لنا أن نطالب بنزع أقدامها بتلك الطريقة التي تشجع على استخدام العنف، لمجرد أنها أثارت الفوضى بتنقلها من هنا إلى هناك.

هل يبدو في الأمر بعض الغرابة .؟ ممكن.. وقد يدعو للابتسام قليلاً أو يصل إلى الضحك.. من الاعتذار لسمكة، ورفع قضية من أجل أرجل ذبابة، أو سحق نملة.. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير، عندما أصبحت القيمة لدينا بمقدار ما تحققه لنا من عائد.. قمنا بتهميش تلك التي مقدارها في سوق المنفعة من وجهة نظر البعض صفر،

وهي لا تساوي صفراً في قانون الأخلاق والتعاملات، واستمرت دائرة التهميش تتسع بنا لتتعدى قافلة النمل تلك، إلى حق الطريق، ثم الآداب العامة، حتى وصلنا إلى تهميش الحريات، فلا مانع من أن تستمع لكلمة بذيئة وأنت تتناول وجبتك مع أسرتك في مطعم عام، ليس مهماً ما تشعر به وأنت تشاهد شاباً يكاد بنطاله أن يقع على مرأى من بناتك، أو فتاة اكتفت بالقليل من الثياب أمام أبنائك،

أن يهان رجل كبير من شاب بسن أحفاده، أن يستهان بعامل بسيط بدافع التسلية، كلها أمور أصبحت مقبولة، مادمنا قد سمحنا لدائرة التهميش أن تتسع..
يا سادة.. من سبقونا لم يكونوا أصحاب تنزيه ولكنهم جعلوا من كل شيء قيمة ومقداراً فاستحقوا الاحترام.
للتواصل على فيسبوك وتويتر emanyahyabajunaid

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *