كان يجلس في سيارته ويطلب مني أن أجلس في المقعدة الخلفية. كنت أفعل ذلك.. ذلك السائق المصري كان في منتصف العمر.. مع مرور الوقت في المشوار شعرت بالامان معه. فهو يمتلك أدباً وخلقاً يليق بالإنسان المصري الذي يعشق بلاده ويحترم روادها.
تزايد ارتياحي لشريف وهو اسم “الشوفير” الأنيق. وحين طلبت منه توصيلي الى قلب القاهرة القديمة والى مقهى الحلمية التاريخي. الذي شهد أجمل الروايات لنجيب محفوظ. وأكثر حضوراً لعمالقة الثقافة والشعر في مصر بدءاً من كتابة النصوص الى الجدل الواسع حول أحقية امارة الشعر التي وان انتهت عند أحمد شوقي الا انها كانت تواجه معارضة عند البعض منهم. خاصة الذين كانوا يرون أن حافظ ابراهيم كان أكثر استحقاقاً للقلب أمير الشعراء في حين كان ومازال البعض الآخر يرفض الامارة في الشعر.
كنت أقول شيئا من هذا الكلام للشوفير شريف. عندها رد قائلاً: يا عم الشيخ.. بعد كل المتغيرات التي حصلت في مصر. تغيرت الكثير من الأشياء.. معالم.. وأماكن.. وناس..
واثناء الكلام وصلنا.. ليكمل بقوله: شوف “لا حلمية.. ولا بطيخ” نعم كان الكان حزيناً ومختلفاً في طقوسه ورواده. يضيف سائقي بأن المكان كان قد شهد اعتداءات من متطرفي الاخوان. كما تم احراق ميدان الحلمية وغيره من معالم كان لها مكانتها التاريخية وان تم ترميمها فانها ضمن محاولات ترميم ممارسات السياسة والحياة في مصر.
وعندما طلبت من شريف النزول معي لتناول القهوة. اعتذر دون ان ينزل من العربة. وعندما كررت عليه الاصرار. فاجأني بانه معاق بلا رجلين ولم يحضر معه الكرسي المتحرك. وان سيارته بمواصفات خاصة بالمعاقين منحه اياها فاعل خير.. وبالفعل تأكدت أنه بلا ساقين. وان يديه من غير اصابع الا من اثنتين في كل واحدة. وعند ذلك دخلت بمفردي الى المقهى. وعدت ومعي كأس عصير لشريف. وجلست بجواره رافضاً أن أجلس في المقعد الخلفي. حسب طلبه. مؤكداً له بقولي: أنت صديقي ولست سائقي يا شريف ومع مرور الوقت عرفت ان الرجل يحمل شهادة الماجستير في المحاسبة. لكنه لم يجد عملاً. لان الشؤون الاجتماعية أصدرت له تقريراً يقول: إن اعاقته 35%. ثم أردف. لقد حكموا علي بالموت مع انني متفوق في دراستي ومتزوج. وأمتلك القدرة على العمل في مجال المحاسبة والكمبيوتر وفي اشياء كثيرة.
واثناء الجولة على شوارع مصر القديمة مروراً بميدان التحرير وشارع سليمان باشا. وشارع فؤاد. والشواربي. والنيل. وكل تلك الأماكن القديمة الى شارع الأمة. حيث كنت أريد أيضاً أن أزور ذلك الرجل العجوز الذي التقيته قبل عدة سنوات لأرى ما إذا كان باقياً في محله التجاري الشعبي الذي يقع قبل ميدان السيدة زينب.. وفي المكان وجدت رجلاً آخر قال انه ابن المرحوم فقد توفاه الله. حزنت كثيراً ودعوت له بالرحمة.
وفي الطريق سألني شريف ماذا يربطك بالرجل. قلت لا شيء إلا أنه رجل يمتلك ثقافة تاريخية جلست معه في ذلك المحل واستفدت من معلوماته كرجل بلدي اصيل كنت سألته عن سبب أسماء بعض الأحياء الشهيرة في مصر فقال: كان هناك “عشة” يسمونها الأتراك زملك. ثم تعددت العشش دون وجود مبان في المكان. فاصبحت عدة زمالك. وبعد أن تطورت الحياة وتغيرت وتطورت الدنيا على حد تعبيره أطلق على الحي القائم الآن بكل منظومته “الزمالك”. أما حي العجوزة. فد كانت هناك امرأة تقرأ الفنجان وهي كبيرة في السن تسكن المكان الذي لم يكن له اسم وقد اشتهرت عند المصريين الذين كانوا يذهبون إليها لقراءة “البخت” وبعد رحيلها وتطور المباني تم اطلاق اسم العجوزة على الحي ومازال الى اليوم.
وعندما سألت ذلك الرجل الطيب في سياق الحديث. وقلت له.. والدقي يا حاج ايه حكايته؟
فقال: كانت هناك ممارسة رقصة “الزار” وكانت هناك امرأة متخصصة في “ضرب الدف” لنساء يأتين لتأدية الرقصة في أحد الأماكن الفسيحة هناك. وكان يتجمع الناس لمشاهدة “الزار” ويدفعون بعض “الملاليم” مقابل الاستمتاع بالوقت والتسلية وكان هناك من يرددون في نداء لمن تقوم بضرب الدف دقي.. دقي.. دقي. وذلك لزيادة تفاعل الراقصة حتى تصل الى مرحلة الغياب عن الوعي. ثم تتم افاقتها. وبنفس الطريقة. تم اطلاق اسم “الدقي” على الحي. ثم أضاف ذلك الرجل الطيب. بعد ان سألته. والسكاكيني يا عم رد قائلاً: كان هناك يتم سلخ الأغنام والابقار.. أي كان موقع المجزرة الوحيدة. وكان هناك شخص مسؤول عن جمع السكاكين من “الجزارين” ولا يسمح لاي واحد منهم أن يصطحب اداته في نهاية اليوم. بل يتم ايداعها عند الرجل الذي يقوم بتخزينها الى اليوم الثاني. والذي أطلقوا عليه “السكاكيني” وقد تم اطلاق اسم ذلك الرجل الشهير والمعروف بالسكاكيني على الحي.
انتهت “الحدوتة” في الوقت الذي كان سائقي المعاق جسدياً والمتميز عقلياً وفكرياً. متفاعلاً وسعيداً بالمعلومات التي قال انه يسمعها للمرة الأولى. وسينقلها الى اصدقائه. لكن اثناء الجولة.. وقبل العودة الى الفندق. كنت أشعر ان الاماكن والأرصفة وشوارع القاهرة. تقول: أنا لست أنا من كنت في الزمن الجميل. حتى دار الأوبرا الذي يتجول في فنائه من بابه المفتوح “صعاليك” وأطفال. وأصبح يستقطب من لا يرتقون الى مكانته. ولم تعد له هيبته وطقوسه.
غير أن شريف قال لي ما هو أهم وأخطر. حين أشار الى ان العلاقات الحميمة بين المصريين لم تعد كما كانت.. حيث أن هاجس الخوف المتبادل بلغة الغموض في الشارع.. كما أنه لم يعد هناك تقدير لدى بعض الشباب لكبار السن من منطلق ان الثورة كانت ثورة شباب. أفرزت شيئا من التمرد حتى داخل الاسرة.
أما أنا فقد اقتنعت بما كنت قد طرحته في مقالات سابقة حول تداعيات ثورات الربيع العربي. وقلت ان سلبياتها ستكون حاضرة في نتائجها. داخل البلدان المعنية. خاصة في ما يتعلق بالوضع الاجتماعي وتفاصيل الأرض والإنسان.. وان نجحت في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية قد تأتي.. وقد لا تأتي في بعض الأماكن!!
باختصار,. مصر لم تعد في خاطر المجتمع المصري كما كانت ولا في عيون روادها من الخارج.
في مصر .. لا حلمية.. ولا بطيخ.. وأسماء من ذاكرة التاريخ!!
