الأرشيف دولية

تفاؤل واستبشار.. ولكن

علي بدوان
بكل ترحاب وبتفاؤل واستبشار، استقبل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات اللقاء الهام الذي جمع الرئيس محمود عباس مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في القاهرة، وهو الاجتماع الذي طال انتظاره منذ مدة طويلة على أمل تحقيق نقلة نوعية على صعيد تطبيق اتفاق المصالحة الموقع في مصر منذ مايو الماضي.فالاجتماع الأخير بين مشعل وعباس في القاهرة، عقد في مناخات ايجابية بدأت تسود منذ فترة بين حركتي حماس وفتح، وبعد انجازات فلسطينية هامة على صعيد اعادة حضور قضية فلسطين على أجندة المجتمع الدولي في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، واعتراف اليونسكو الكامل بعضوية فلسطين فيها، وبعد انجاز اتفاق تبادل الأسرى الذي أعاد انعاش نفوس الناس في فلسطين والشتات، وأعاد شحذ هممهم من جديد بعد وقت طويل من الانكسار والاحباط مع استمرار مسلسل الانقسام الفلسطيني الداخلي.
إن مرد التفاؤل والاستبشار عند غالبية الفلسطينيين يعود لجملة من الأسباب، من بينها ما يجري في بعض بلداننا العربية من اعتمالات وحراكات وتحولات (بعضها ايجابي وبعضها سلبي) لكنها باتت تملي على الفلسطينيين المبادرة السريعة لانقاذ حالهم ووضع حد لمسلسل الانقسام بعد سنوات عجاف، خصوصاً بعد انغلاق أفق عملية التسوية المختلة، وما يجري في فلسطين من عمليات تهويد متسارعة في مختلف المناطق ومنها في منطقة القدس.ان تلك التحولات، باتت تفرض على الفلسطينيين وقياداتهم المسؤولة ومن كل القوى، التحرك السريع لتوحيد جهودهم ومغادرة موقف المتفرج، والعمل كشركاء وبمسؤولية واحدة تجاه الشعب الفلسطيني في سياق مواجهة الاحتلال وسياسات الأمر الواقع التي تعمل الدولة العبرية الصهيونية على فرضها من خلال مسلسل التهويد.كما أن الخيارات التي أغلقتها الادارة الأميركية أمام السلطة الفلسطينية في رام الله، سرّعت في فتح باب الوحدة الوطنية والتوافق الفلسطيني الداخلي، في مدخل صحيح لتصحيح الأخطاء التاريخية التي وقعت خلال سنوات طويلة من مسيرة التسوية والرهان الخاسر على الدور الأميركي، وبالتالي في استخلاص العبر من عقدين من الفشل في المفاوضات مع الاحتلال في اطار التواطؤ الدولي مع الدولة العبرية الصهيونية، التي استمرأت الصمت الدولي والدعم الأميركي لها، ورفعت من منسوب عمليات التهويد ومصادرة الأرض حتى في أوج لحظات التفاوض مع الطرف الفلسطيني، حيث تقدر مساحات الأرض المصادرة في مناطق القدس ومحيطها وعموم الضفة الغربية بأكثر من (400) ألف دونم منذ انطلاقة مؤتمر التسوية في مدريد نهاية عام 1991.ومع هذا التفاؤل والاستبشار، فان مناخاً ولو محدوداً من التشاؤم ساد البعض من الفلسطينيين، خشية أن يكون الاجتماع الأخير بين عباس ومشعل كغيره من الاجتماعات السابقة التي تكررت على المنوال نفسه دون تحقيق انجاز ملموس يشعر به الناس على الأرض في فلسطين والشتات.وعند الحديث عن مجريات لقاء عباس ومشعل في القاهرة، فان المعلومات تشير الى أن أجواء ايجابية سادت كل اللقاءات التي تمت، وقد توجت باعلان عباس ومشعل عن اتفاقهما على العمل كشركاء بمسؤولية واحدة في اتفاق على الاطار العام. ولكن هذا الكلام يبقى في الاطار الاعلامي لا أكثر ولا أقل ان لم يلق ترجمة عملية على الأرض. فالمعيار الحقيقي عند الناس يتمثل في رؤية الوقائع الملموسة على الأرض وليس سماع الأمنيات ومعسول الكلام والتغني به.ان الاجتماعات الأخيرة بين حركتي فتح وحماس في القاهرة، شهدت تفاهماً بحدود مقبولة على البرنامج السياسي للمرحلة الانتقالية المقبلة (بعد أن كانت الهوة واسعة بين الطرفين في السنوات الماضية) بحيث تم يوم العشرين من ديسمبر القادم موعداً لالتئام الاطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية كما نص اتفاق المصالحة، من أجل بلورة البرنامج السياسي الوطني الائتلافي لكل القوى الفلسطينية في اطار منظمة التحرير.ومن جانب آخر، ان المعلومات المتوفرة والمؤكدة من مصادرها الفتحاوية والحمساوية، تؤكد بأن عقدة (شخص رئيس الحكومة) العتيدة القادمة، حكومة التكنوقراط والوحدة الوطنية، مازالت قيد المعالجة ولم يتم حسمها بشكل نهائي. فحركة حماس تتحفظ على شخص سلام فياض لأسباب سياسية تراها، فيما يفضل الرئيس عباس القبول بفياض كرئيس للحكومة للمرحلة الانتقالية الى حين اجراء الانتخابات تجنباً للتصادم مع الغرب الأوربي والولايات المتحدة، حيث ترى دول الاتحاد الأوربي وواشنطن بسلام فياض الرئيس الأمثل للحكومة الفلسطينية الموحدة القادمة.ان الشعب الفلسطيني الذي أنهكته حالة الانقسام والتمزق الداخلي، ينتظر التطورات على الأرض وليس الكلام اللفظي فقط ، ويريد فتح صفحة جديدة في تاريخه، فيها درجة عالية من التفاهم والحرص على الشراكة الوطنية بين الجميع، والجدية في تطبيق ليس بنود اتفاق المصالحة فقط، بل كل ما يتعلق بترتيب البيت الفلسطيني، والتعامل مع المرحلة الراهنة والمقبلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *